كشفت مجلة “جون أفريك” أن الأزمة الدبلوماسية بين الجزائر ودولة الإمارات العربية المتحدة، والتي برزت معالمها خلال شهر شتنبر الماضي، تحمل أبعادا جيوسياسية تتقاطع مع الاستراتيجية الإقليمية للمغرب، مبرزة أن هذا التطور يأتي في سياق سعي الجزائر لإعادة التموضع في محيطها الإقليمي وسط تنامي الشراكة الاستراتيجية الوثيقة بين أبوظبي والرباط.

وأوضحت المجلة، في تقرير مفصل، أن بوادر هذا التوتر ظهرت منذ شهر يوليوز الماضي حين وجهت القيادة الجزائرية انتقادات علنية لدور أبوظبي في المنطقة، قبل أن تتسارع الأحداث وتصل إلى القنوات الدبلوماسية الرسمية، وهو التطور الذي تفاعلت معه دولة الإمارات بكثير من التروي والهدوء، حيث دعا المستشار الدبلوماسي للرئيس الإماراتي، أنور قرقاش، إلى تغليب لغة “العقلانية” و”وضوح المصالح” في العلاقات الدولية، وتجنب اللجوء إلى التلميحات، تزامنا مع مبادرة سلطنة عمان لتقديم وساطتها لتقريب وجهات النظر.

وأشارت الصحيفة إلى أن هذه التفاعلات تتجاوز النطاق الثنائي لتشمل توازنات المنطقة، حيث تنظر الجزائر بتوجس إلى التحالف المتين الذي يجمع دولة الإمارات بالمملكة المغربية، خاصة وأن أبوظبي تعتبر من أبرز الداعمين للسيادة المغربية، وتوجت هذا الموقف بافتتاح قنصلية عامة لها بمدينة العيون خلال سنة 2020، في خطوة دبلوماسية رائدة تزامنت مع مسار استئناف العلاقات مع إسرائيل.

وتابعت الدورية الفرنسية نقلها لتحليلات مراقبين تشير إلى أن المقاربة الإماراتية في التعامل مع بعض الملفات الإقليمية تثير حفيظة صانع القرار في قصر المرادية، مستحضرة في هذا الصدد التقارير الدولية، بما فيها تقارير لمنظمة العفو الدولية ووزارة الخزانة الأمريكية، التي تتحدث عن دور إماراتي مفترض في الصراع الداخلي بالسودان وفي الساحة الليبية، وهي المعطيات التي نفتها أبوظبي مرارا وتكرارا، غير أنها دفعت الجزائر إلى تحركات استباقية نحو حدودها الجنوبية، شملت إرسال طائرات عسكرية إلى النيجر أواخر شهر غشت الماضي.

واعتبر إبراهيم أومنصور، مدير مرصد المنطقة المغاربية بمعهد العلاقات الدولية والاستراتيجية، في تصريحه للمجلة، أن الدبلوماسية الجزائرية تدرك جيدا الاختلاف الجوهري في أدوات التحرك الدبلوماسي بين الرباط وأبوظبي، مؤكدا أنه رغم التنافس الإقليمي بين المغرب والجزائر، فإنهما يتقاسمان الوعي بخطورة تفاقم عدم الاستقرار في الجوار الجغرافي المشترك، ويميلان إلى تغليب كفة الأمن الإقليمي.

وأبرز المنبر الإعلامي ذاته أن المملكة المغربية حافظت دائما على استقلالية قراراتها السيادية ومقاربتها السلمية، حيث اختارت في الملف الليبي التمسك بموقف “الحياد الإيجابي” المستند إلى اتفاقيات الصخيرات لسنة 2015، داعية إلى الحوار ورافضة للتدخلات الأجنبية، كما أظهرت في أزمة اليمن دينامية مستقلة عبر تقليص مشاركتها العسكرية ثم الانسحاب من التحالف سنة 2019، مما يعكس حرص الرباط على استقرار الدول وتجنب الاصطفافات المعقدة، في وقت شهدت فيه الساحة تقلبات في التحالفات شملت تقارب فاعلين ليبيين مع تركيا وتعقيدات مستمرة في المشهدين السوداني واليمني.

وأكد التقرير الإخباري أن الرباط التزمت الحياد التام تجاه التوتر الطارئ بين الجزائر وأبوظبي، مفضلة التركيز على تعزيز شراكتها الاستراتيجية والاقتصادية مع الإمارات، وهو ما تجسد بوضوح في اللقاء الذي جمع الملك محمد السادس بالرئيس الإماراتي محمد بن زايد في الرباط، والذي شكل فرصة للتأكيد على “التضامن الفاعل” وطي صفحة أي تباينات سابقة في وجهات النظر حول بعض القضايا الإقليمية خلال الفترة الممتدة بين 2017 و2020.

وأردف التقرير أن المغرب يعتمد في منطقة الساحل استراتيجية ناعمة وشاملة ترتكز على الروابط الاقتصادية والتعاون الروحي، وتتوج بمبادرته الأطلسية الطموحة الرامية إلى توفير منفذ بحري لدول مالي والنيجر وبوركينا فاسو عبر البنيات التحتية المغربية، في وقت تسعى فيه الجزائر إلى الترويج لمشاريعها الخاصة المعتمدة على البنية الطاقية والحدود البرية، في مسعى لتعويض تراجع نفوذها الدبلوماسي في المنطقة.

وأضافت المجلة أن الشراكة المتينة بين المغرب والإمارات، المكللة بتوقيع اتفاقيات استثمارية ضخمة سنة 2023 شملت قطاع الموانئ ومشروع أنبوب الغاز النيجيري المغربي، تمنح المملكة زخما إضافيا وقدرة مالية كبرى لتسريع تنزيل مشاريعها المهيكلة في غرب إفريقيا، مما يجعل من الدعم الإماراتي الاستثماري قوة دافعة تدعم التوجه الاستراتيجي المغربي في القارة.

وخلصت “جون أفريك” إلى أن التصدع الدبلوماسي الأخير لن يترك أثرا اقتصاديا كبيرا بسبب ضعف التبادل التجاري المباشر بين الجزائر والإمارات، في حين يبقى الموقف الأمريكي حاسما في المنطقة، حيث تواصل واشنطن دعمها الثابت لمبادرة الحكم الذاتي في الصحراء وتعتبر الرباط شريكا عسكريا رئيسيا، مع حرصها في الوقت نفسه على إبقاء قنوات التعاون الأمني مفتوحة مع الجزائر للحفاظ على التوازن الجيوسياسي وتفادي ميل الكفة لصالح قوى دولية أخرى كروسيا أو الصين.