من يصنع الحزب المغربي؟ من علال الفاسي إلى فاطمة الزهراء المنصوري: إضاءة على سبعة عقود من ولادة الأحزاب وانشقاقاتها وتحول النخب
د. رشدي الدحماني
هناك صور سياسية لا تحتاج إلى كثير من الشرح؛ يكفي أن تظهر و تنتشر؛ حتى تبدأ الذاكرة في العمل.
في فاتح أكتوبر 2026، وخلال المشاورات المبدئية المتعلقة بتشكيل الحكومة، استقبلت فاطمة الزهراء المنصوري وفد الحركة الديمقراطية الاجتماعية برئاسة أمينها العام عبد الصمد عرشان، وكان والده محمود عرشان، مؤسس الحزب، ضمن الوفد. جرى اللقاء في المقر المركزي لحزب الأصالة والمعاصرة، وفي سياق مشاورات سياسية معلنة بشأن تشكيل الحكومة المقبلة. هذه هي الواقعة كما ظهرت في المشهد العام، لكنها تفتح، لمن ينظر إليها من زاوية التاريخ السياسي، على مساحة أكبر بكثير من مجرد لقاء حزبي عابر.
فلماذا نسأل من سمح لمحمود عرشان بالدخول إلى مشاورات الحكومة، ولا نسأل من سمح للإطار الأمني محمود عرشان منذ عقود بأن يعبر من موقع رجل الدولة والإدارة إلى موقع رجل الحزب والسياسة، ثم إلى موقع المؤسس الذي ظل اسمه حاضراً داخل التنظيم إلى اليوم؟ السؤال، إذا حُصر في عرشان، يتحول إلى سؤال عن شخص. أما إذا وضعناه في تاريخ الأحزاب المغربية، فإنه يصبح سؤالاً عن ظاهرة أوسع: كيف تنتقل النخبة السياسية من زمن إلى زمن؟ كيف يعبر الحزب من جيل إلى جيل؟ متى يتغير الحزب فعلاً، ومتى يتغير فقط الأشخاص الذين يحملون اسمه؟ ومن يصنع الحزب أصلاً: الدولة، أم المجتمع، أم الحركة الوطنية، أم النخبة، أم الانتخابات، أم المال، أم الزعيم؟
يمكن استعمال عبارة «متلازمة عرشان» هنا باعتبارها استعارة سياسية لا تشخيصاً ولا اتهاماً، لوصف مسار من مسارات إنتاج النخبة حين ينتقل رجل من الدولة أو الإدارة إلى الحزب ثم يستمر في المجال السياسي بعد تغير السياقات. وفي مقابلها يمكن الحديث عن «متلازمة قلب الصفحة»، أي الانتقال إلى الصفحة التالية قبل أن تنتهي الصفحة السابقة من شرح نفسها. فالأحزاب تتغير، والقيادات تتبدل، والتحالفات تتشكل ثم تنحل، لكن بعض الذاكرات السياسية، وبعض البنى التنظيمية، وبعض طرق إنتاج النخب، تستطيع أن تعبر من صفحة إلى أخرى. ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي: هل تغيرت النخبة المغربية فعلاً، أم أنها تعلمت فقط كيف تغير مواقعها وأسماءها وواجهاتها؟
لفهم السياسة المغربية، لا يكفي أن نقرأ أسماء الأحزاب كما تظهر في اللوائح الرسمية أو على أوراق الانتخابات. فكل حزب تقريباً له قصة نسب: حزب جاء من حركة وطنية، وآخر من انشقاق، وثالث من اندماج، ورابع من تيار أيديولوجي، وخامس من مجموعة برلمانية من المستقلين، وسادس من شخصيات خرجت من حزب تاريخي، وسابع أعاد استخدام هيكل حزبي قديم ليحمل هوية جديدة. ولهذا فإن تاريخ الحزب المغربي هو، في جزء كبير منه، تاريخ الانشقاق والاحتضان وإعادة التركيب. الحزب لا يولد دائماً من الصفر؛ أحياناً يولد من رحم حزب آخر، ثم ينقسم، ثم يخرج منه حزب ثالث، ثم يلتقي بعض أبنائه في تنظيم جديد، ثم ينتقل جزء من قيادته إلى مؤسسة أخرى. وفي هذا المسار تصبح أسماء المؤسسين مهمة، لكن الأهم منها هو فهم العلاقات التي تربط كل حزب بما سبقه وما جاء بعده.
الخريطة الرسمية للأحزاب المغربية تكشف بالفعل تعدد هذه المسارات؛ فإلى جانب حزب الاستقلال، الذي ارتبط بالحركة الوطنية، ظهرت أحزاب وتيارات أخرى في مراحل متعاقبة، من الحزب الشيوعي المغربي وحزب الشورى والاستقلال، إلى الاتحاد الوطني للقوات الشعبية والحركة الشعبية، ثم الحركة الشعبية الديمقراطية الدستورية، والتقدم والاشتراكية، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والتجمع الوطني للأحرار، والحزب الوطني الديمقراطي، والاتحاد الدستوري، ومنظمة العمل الديمقراطي الشعبي، ثم أحزاب وتيارات عديدة ظهرت في الثمانينيات والتسعينيات وما بعدها. هذه ليست مجرد تواريخ تأسيس، بل سجل لتحولات المجتمع والدولة والنخبة وطريقة توزيع الشرعية السياسية.
في البداية كان الحزب مرتبطاً بصورة الحركة الوطنية. حزب الاستقلال لم يكن في أصله مجرد آلة انتخابية، بل كان أحد التعبيرات الأساسية عن الحركة الوطنية ومطلب الاستقلال وبناء الدولة الوطنية. وفي تلك المرحلة كانت شرعية السياسي مرتبطة، بدرجة كبيرة، بموقعه في معركة التحرر الوطني. لكن الاستقلال غيّر طبيعة السؤال. عندما ينتهي الصراع مع الاستعمار، تبدأ أسئلة أخرى: من يحكم؟ كيف تُبنى المؤسسات؟ ما موقع الحزب؟ ما موقع الإدارة؟ ما طبيعة العلاقة بين الحكومة والبرلمان؟ وكيف توزع السلطة داخل الدولة الجديدة؟ وهنا بدأت الخلافات التي ستنتج لاحقاً جزءاً كبيراً من خريطة الأحزاب المغربية.
في سنة 1959 خرج الاتحاد الوطني للقوات الشعبية من رحم الخلافات داخل الحركة الاستقلالية، ومع شخصيات مثل عبد الله إبراهيم وعبد الرحيم بوعبيد والمهدي بنبركة وغيرهم أصبح الانقسام داخل الحزب التاريخي ولادة لتنظيم سياسي جديد. هذه اللحظة مهمة لأنها أسست لقاعدة ستتكرر كثيراً في المغرب: الانشقاق ليس دائماً نهاية، بل يمكن أن يكون بداية حزب جديد. وهنا يدخل المهدي بنبركة إلى الخريطة باعتباره نموذجاً لنوع آخر من النخبة؛ رجل لا يتعامل مع الحزب فقط كأداة للوصول إلى المؤسسات، وإنما باعتباره مشروعاً سياسياً واجتماعياً وفكرياً. وبذلك تحول السؤال من «من يملك الحزب؟» إلى «أي دولة يريد الحزب؟ وأي مجتمع يريد؟».
وإذا كان الاتحاد الوطني للقوات الشعبية قد خرج من رحم الحركة الاستقلالية، فإن الحركة الشعبية جاءت من سياق مختلف، لكنها لا تقل أهمية في فهم النظام الحزبي المغربي. فقد تأسست الحركة الشعبية في أواخر الخمسينيات، وكان المحجوبي أحرضان وعبد الكريم الخطيب من أبرز الأسماء المرتبطة بتأسيسها، في سياق سياسي اتسم بالصراع حول اتجاه الدولة الناشئة وتوازناتها. وقد أصبحت الحركة لاحقاً واحدة من العائلات السياسية الكبرى في المغرب، خصوصاً في علاقتها بالبادية والهوية الأمازيغية والملكية، قبل أن تتحول إلى شجرة حزبية كاملة خرجت منها فروع وتنظيمات متعددة.
المحجوبي أحرضان ليس مجرد اسم في تاريخ الحركة الشعبية؛ إنه يمثل نموذجاً خاصاً للنخبة المغربية التي جمعت بين المقاومة والعمل العسكري والإدارة والحكومة والحزب. فقد ارتبط مساره بالمقاومة وجيش التحرير، ثم شغل مسؤوليات إدارية وحكومية، وأصبح من أبرز مؤسسي الحركة الشعبية وقادتها. لكن الأهم من مساره الشخصي أن تجربته تسمح برؤية كيف يمكن للشخصية نفسها أن تعبر من المقاومة إلى الدولة، ومن الدولة إلى الحزب، ومن الحزب إلى تأسيس حزب آخر. وفي سنة 1991، وبعد خروجه من قيادة الحركة الشعبية، أسس أحرضان الحركة الوطنية الشعبية، لتبدأ مرحلة جديدة من تشظي العائلة «الحركية».
وهنا يصبح تاريخ الحركة الشعبية أحد المفاتيح الكبرى لفهم السؤال الذي نحاول الإجابة عنه. فالحركة الشعبية لم تكن مجرد حزب واحد مستمراً في خط مستقيم، بل أصبحت عائلة سياسية تشكلت عبر الانقسامات والعودة إلى الاندماج. خرج منها في الستينيات عبد الكريم الخطيب ليؤسس الحركة الشعبية الديمقراطية الدستورية، ثم خرج منها في التسعينيات حزب الحركة الوطنية الشعبية بقيادة أحرضان، ثم خرج من هذه الأخيرة في 1996 محمود عرشان ليؤسس الحركة الديمقراطية الاجتماعية، قبل أن تعود أجزاء من العائلة الحركية إلى التقارب والاندماج لاحقاً. وبذلك يمكن أن نجد، داخل عائلة سياسية واحدة، المؤسس، والمنشق، والوريث، والحزب الأم، والحزب الابن، والحزب الذي عاد إلى الحزب الأم.
وهذا يجعل محمود عرشان أكثر من مجرد اسم في نهاية السلسلة. فالحركة الديمقراطية الاجتماعية لم تظهر في فراغ؛ لقد جاءت من انقسام داخل الحركة الوطنية الشعبية التي أسسها أحرضان سنة 1991، والحركة الوطنية الشعبية نفسها كانت نتيجة انقسام سابق داخل الحركة الشعبية. وبذلك يصبح المسار، بصورة مبسطة، حركة شعبية، ثم حركة وطنية شعبية، ثم حركة ديمقراطية اجتماعية. وليس المقصود هنا أن التنظيمات الثلاثة شيء واحد، وإنما أن بينها نسباً تنظيمياً وتاريخياً موثقاً يوضح كيف يعيد الانشقاق إنتاج الأحزاب والنخب.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم العبارة الساخرة التي تقول إن «النسخة الثانية من حزب الداخلية تستقبل النسخة الأولى» باعتبارها استعارة سياسية وإعلامية، لا تصنيفاً قانونياً ولا حقيقة جاهزة. فعبارات من قبيل «حزب الإدارة» أو «حزب الداخلية» أو «حزب الدولة» ظهرت في الخطاب السياسي والإعلامي لوصف بعض الأحزاب في مراحل مختلفة، لكن التوصيف السياسي ليس حقيقة قانونية. والسؤال الجاد ليس فقط هل الوصف صحيح، وإنما لماذا ظهر، ومن أطلقه، وعلى أي وقائع استند، وهل توجد وثائق تؤيده أم أنه بقي في حدود الانطباع السياسي؟
وإذا انتقلنا من الحركة الشعبية إلى عبد الكريم الخطيب، فإننا نكتشف نموذجاً آخر للتحول. فالحزب الذي أسسه الخطيب، الحركة الشعبية الديمقراطية الدستورية، لم يبق على هويته الأولى بصورة جامدة؛ فقد دخلت إليه لاحقاً عناصر من الحركة الإسلامية، ثم أعيد تنظيمه، وأصبح اسمه حزب العدالة والتنمية سنة 1998. وهنا تظهر مسألة جوهرية في تاريخ الأحزاب: المؤسس ليس بالضرورة هو الهوية النهائية للحزب، والهيكل الحزبي يمكن أن يعيش تحولاً عميقاً يجعله مختلفاً سياسياً عن لحظة تأسيسه.
وهذا يقودنا إلى اليسار المغربي، الذي لا يمكن اختزاله في الاتحاد الاشتراكي وحده. فهناك تاريخ الحزب الشيوعي المغربي، ثم حزب التحرر والاشتراكية، ثم التقدم والاشتراكية، وهناك الاتحاد الوطني للقوات الشعبية والاتحاد الاشتراكي، ومنظمة 23 مارس، وإلى الأمام، ومنظمة العمل الديمقراطي الشعبي، وحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، والنهج الديمقراطي، والمؤتمر الوطني الاتحادي، ومحاولات متكررة لتجميع مكونات اليسار أو تنسيقها. هذه الأسماء لا تشكل قائمة أيديولوجية فحسب، بل تسجل خلافات عميقة حول الدولة والديمقراطية والعمل الجماهيري والانتخابات والنقابات والعلاقة مع المؤسسات. وفي هذه الخريطة يظهر محمد بن سعيد آيت يدر نموذجاً للنخبة التي حملت ذاكرة المقاومة والمعارضة ثم دخلت المجال المؤسساتي، بما يطرح سؤالاً مختلفاً: ماذا يحدث عندما ينتقل المناضل من خارج المؤسسة إلى داخلها؟ وهل تتغير المؤسسة أم يتغير المناضل أم أن الزمن السياسي يفرض على الطرفين إعادة تعريف العلاقة بينهما؟
ثم يأتي أحمد عصمان والتجمع الوطني للأحرار ليقدما نموذجاً آخر. تأسس الحزب في أكتوبر 1978 بقيادة عصمان، في سياق سياسي ارتبط بتجميع عدد كبير من النواب المستقلين داخل إطار حزبي جديد. وهنا نرى حزباً لا يبدأ من حركة وطنية ولا من انشقاق أيديولوجي، وإنما من تجميع قوة برلمانية مستقلة وتحويلها إلى تنظيم سياسي. وقد ارتبط تأسيس التجمع لاحقاً بجدل حول علاقته بدوائر الحكم، وهي قراءة سياسية ظهرت في خطاب المعارضة وبعض الكتابات، بينما رفض الحزب توصيفه باعتباره حزباً إدارياً أو موالياً للقصر. وهذه بالضبط إحدى النقاط التي يجب فيها الفصل بين الواقعة والتفسير: يمكن توثيق تأسيس الحزب وتركيبته الأولى، لكن تفسير علاقاته يحتاج إلى أدلة تتجاوز الوصف السياسي.
ثم يأتي المعطي بوعبيد والاتحاد الدستوري الذي تأسس سنة 1983، ليضيف نموذجاً آخر لشخصية حكومية بارزة تنتقل إلى تأسيس حزب جديد. ومرة أخرى ظهرت في بعض الكتابات السياسية قراءات تربط تأسيس الحزب بدعم أو تشجيع من دوائر الحكم، بينما يظل ذلك جزءاً من الجدل السياسي والتاريخي ما لم تدعمه وثائق حاسمة. المهم هنا ليس إصدار الحكم، بل ملاحظة أن الحزب المغربي كان يمكن أن يتشكل أيضاً من شخصية حكومية أو من مجموعة سياسية مرتبطة بها، كما يمكن أن يتشكل من حركة وطنية أو انشقاق يساري أو تجمع مستقلين. وهكذا تتعدد مصادر الولادة الحزبية.
وفي الثمانينيات والتسعينيات ازدادت ظاهرة الانشقاقات والتأسيسات الجديدة، فظهرت أحزاب مثل الحزب الوطني الديمقراطي ومنظمة العمل الديمقراطي الشعبي والحركة الوطنية الشعبية والطليعة الديمقراطي الاشتراكي والحركة الديمقراطية الاجتماعية وجبهة القوى الديمقراطية وغيرها. ولا ينبغي جمع هذه الأحزاب في سلة واحدة، لأن لكل منها سياقه وفكرته وقيادته، لكن وجودها المتتابع يكشف ظاهرة أوسع: النظام الحزبي المغربي كان يعيد توزيع النخب باستمرار، والحزب كان في أحيان كثيرة مرحلة ضمن مسار سياسي أطول من عمره التنظيمي.
ومع عبد الرحمن اليوسفي وصل مسار طويل من المعارضة إلى الدولة. أصبح الرجل الذي ارتبط اسمه بالمعارضة والاتحاد الاشتراكي رئيساً للحكومة، ودخل الحزب الذي كان جزءاً من تاريخ المعارضة في تجربة الحكم. ثم جاء عباس الفاسي في نموذج مختلف، حيث أصبح حزب الاستقلال، الحزب التاريخي المرتبط بالحركة الوطنية، جزءاً أساسياً من ممارسة الحكم. وهنا تنتقل الشرعية من شرعية المقاومة والحركة الوطنية إلى شرعية الأداء والتدبير. لم يعد يكفي أن يقول الحزب إنه صاحب تاريخ؛ بل أصبح مطالباً بأن يثبت قدرته على إدارة الدولة.
ومع حميد شباط ظهر وجه آخر للقيادة الحزبية: الزعيم الشعبوي داخل مؤسسة تاريخية. أصبح الخطاب السياسي أكثر مباشرة، والحضور الإعلامي أكثر قوة، وتحولت الشخصية إلى جزء من صورة الحزب. ثم جاء نزار بركة في نموذج أكثر ارتباطاً بالمؤسسة والخبرة والتدبير، بما يجعل المسألة ليست في المفاضلة بين الرجلين، وإنما في ملاحظة كيف تتغير طريقة تقديم الزعيم للحزب، وكيف تحاول المؤسسة أحياناً استعادة مركزها أمام قوة الشخصية.
وفي حزب العدالة والتنمية ظهرت تجربة أخرى، مع عبد الإله بنكيران، حيث أصبحت الشخصية السياسية قادرة على بناء علاقة مباشرة مع الجمهور عبر الخطاب والتواصل الجماهيري. وهنا أصبح الحزب يعيش داخل مرحلة جديدة من السياسة: لم يعد التنظيم وحده هو الذي يصنع الصورة، بل صار الزعيم نفسه جزءاً من الوسيط الإعلامي الذي يحدد حضور الحزب في المجتمع. وفي المقابل، أظهر مسار إلياس العماري نموذجاً آخر، قادماً من فضاء اجتماعي ومحلي ومدني إلى قيادة حزب الأصالة والمعاصرة، بما يعكس تعدد البوابات التي يمكن أن تدخل منها النخبة إلى السياسة.
ومع عزيز أخنوش ظهر نموذج رجل الأعمال الذي يصل إلى قيادة حزب ثم إلى رئاسة الحكومة. وهذه ليست، في حد ذاتها، إدانة ولا دليلاً على فساد؛ فرجل الأعمال ليس فاسداً لأنه رجل أعمال، كما أن دخوله السياسة لا يثبت وجود تضارب غير مشروع. لكن المسار يطرح أسئلة مؤسساتية مشروعة حول العلاقة بين القوة الاقتصادية والسياسية، وحول قواعد الشفافية وتضارب المصالح وكيفية حماية القرار العام عندما تتقاطع المصالح الخاصة مع الموقع السياسي. كما أن انتقال التجمع الوطني للأحرار من مرحلة أحمد عصمان إلى مرحلة أخنوش يوضح كيف يمكن للحزب نفسه أن يحتفظ باسمه، بينما تتغير طبقته القيادية ومصادر قوته وطريقة تقديمه لنفسه.
وفي حزب الأصالة والمعاصرة، الذي تأسس سنة 2008 من حركة لكل الديمقراطيين ومن اندماج عدد من الأحزاب الصغيرة، ظهرت مرحلة أخرى من إعادة تركيب الخريطة الحزبية. أصبح الحزب سريعاً أحد أهم مكونات المشهد، وظهرت في الخطاب السياسي والإعلامي توصيفات من قبيل «حزب الدولة»، وهي أوصاف رفضها الحزب. والتمييز هنا ضروري مرة أخرى: تأسيس الحزب وتوسع حضوره وقوته الانتخابية وقادته وقائع يمكن دراستها، أما تفسير ذلك بأنه نتيجة لعلاقة خاصة بالدولة فهو قراءة سياسية تحتاج إلى إثبات مستقل إذا أريد تحويلها إلى حقيقة تاريخية.
وفي هذا السياق يأتي محمد زيان والحزب المغربي الليبرالي بوصفه نموذجاً آخر لحزب يرتبط بصورة قوية بشخصية مؤسسه وبخطابه. وهذه الحالة تطرح سؤال «حزب الزعيم»: متى يكون الحزب مؤسسة مستقلة عن مؤسسه؟ وماذا يحدث عندما يصبح اسم الزعيم جزءاً من صورة الحزب؟ وهل تستطيع المؤسسة إنتاج قيادة بديلة بعد غياب المؤسس، أم أن التنظيم يصبح مرتبطاً تاريخياً بالشخص الذي أنشأه؟
ثم تعود الحركة الشعبية نفسها إلى واجهة المشهد مع محمد أوزين، لكن من زاوية مختلفة. فالحزب الذي ولد في الخمسينيات ودخل في انشقاقات وصراعات داخلية متعددة مر عبر أجيال من القيادة، من أحرضان إلى محمد العنصر ثم إلى أوزين، الذي انتخب أميناً عاماً للحزب في نوفمبر 2022 خلفاً للعنصر. وهنا لا يمثل أوزين مجرد اسم جديد، وإنما يمثل سؤال الجيل الذي يرث حزباً عمره عقود: ماذا يرث الجيل الجديد؟ الاسم؟ التنظيم؟ الذاكرة؟ القاعدة الانتخابية؟ أم شبكة العلاقات السياسية؟
وعندما نعود إلى محمود عرشان، تتضح الصورة أكثر. فالحركة الديمقراطية الاجتماعية تأسست سنة 1996 بقيادته بعد انقسام من الحركة الوطنية الشعبية. ولذلك فإن عرشان ليس بداية قصة مستقلة، وإنما حلقة داخل شجرة حزبية تعود إلى الحركة الشعبية. هذه النقطة مهمة لأن اختزال عرشان في تاريخه الأمني أو في حضوره السياسي الحالي يحجب جانباً أساسياً من القصة: أنه جاء أيضاً من مسار حزبي تشكل من انشقاق، وأن الحزب الذي أسسه أصبح بدوره مؤسسة استمرت بعد المؤسس ووصل إلى قيادة ابنه عبد الصمد عرشان.
وتزداد حساسية المسار عندما نصل إلى علاقة عرشان بالماضي الحقوقي. فقد ورد اسمه في تقارير ومنشورات حقوقية ضمن اتهامات مرتبطة بانتهاكات حقوق الإنسان خلال سنوات الرصاص، كما ارتبط اسمه بقضية صحفية قضائية في نهاية التسعينيات. لكن المنهج الجاد يفرض هنا التمييز بين الاتهام وبين الحكم القضائي النهائي، وبين التوثيق الحقوقي وبين الإدانة الجنائية. لذلك لا يجوز تحويل الاتهام إلى حقيقة قضائية لمجرد أنه ورد في تقرير أو مقال. والهيئة المستقلة للتحكيم ثم هيئة الإنصاف والمصالحة كانتا جزءاً من مسار للعدالة الانتقالية وكشف الحقيقة وجبر الضرر والإصلاح المؤسساتي، لا محكمة جنائية تصدر أحكاماً بالإدانة على كل الأسماء التي وردت في الملفات.
ومن هنا تصبح صورة أكتوبر 2026 ذات دلالة تاريخية لا لأنها تثبت شيئاً غير مثبت، بل لأنها تجمع في لحظة واحدة عناصر من مراحل مختلفة: مؤسس حزب من جيل سابق، ونجله الذي يقود الحزب، وقيادة حزبية جديدة، ومشاورات لتشكيل حكومة، وحزب آخر تأسس في القرن الحادي والعشرين، داخل دولة تغيرت مؤسساتها ولغتها السياسية كثيراً منذ الزمن الذي بدأ فيه محمود عرشان مساره المهني. الصورة لا تجيب عن السؤال؛ لكنها تجعل السؤال مرئياً.
والسؤال ليس فقط: من يدخل الحكومة؟ بل: من يستطيع أن يعبر من مؤسسة إلى أخرى؟ ومن يستطيع أن يحتفظ بموقعه السياسي عندما تتغير الأنظمة والوجوه؟ وما الذي ينتقل مع الشخص: الشرعية، أم الخبرة، أم العلاقات، أم الذاكرة، أم مجرد الاسم؟
هنا يصبح مفهوم «دولة الظل» بحاجة إلى استعمال بالغ الحذر. يمكن استخدامه كأداة تحليلية لدراسة شبكات النفوذ غير الرسمية والعلاقات التي لا تظهر بالكامل في الهيكل المؤسساتي، لكن لا يجوز تحويله إلى افتراض مسبق بوجود دولة سرية موازية تدير الدولة الرسمية. هناك فرق بين شبكة نفوذ، وعلاقة شخصية، ومركز تأثير، ومؤسسة غير رسمية، وبين «دولة ظل» بالمعنى الكامل. وكل درجة تحتاج إلى أدلة مختلفة.
والأمر نفسه ينطبق على مفهوم «الجريمة المؤسسية». دراسة المخاطر المؤسسية أو شبكات النفوذ أو تضارب المصالح لا تعني أن المؤسسات أو الأحزاب متهمة بالجريمة. المنهج يبدأ من البنية، ثم يبحث عن الوقائع. لا يبدأ من الإدانة ثم يبحث عما يبررها. ولذلك فإن تتبع المال، وفحص الملكية، وتحليل المستفيد الحقيقي، ودراسة مسارات القرار، ومراقبة تضارب المصالح، كلها أدوات تحقيق، وليست أحكاماً مسبقة.
هذه هي الفكرة المركزية في الخريطة الكبرى لموسوعة «مفهوم الجريمة المؤسسية وديناميكيات دولة الظل»: أن نفهم البنية قبل أن نحكم عليها، وأن نفرق بين ما هو معلوم وما هو منسوب وما هو محتمل وما هو مجهول. فالسر ليس كل ما لا نعرفه. السر هو ما يمكن إثبات أنه أخفي. أما ما لم نصل إليه بعد فهو ببساطة معلومة ناقصة.
ومن هنا يمكن قراءة التاريخ الحزبي المغربي كله باعتباره تاريخاً لتحولات مصادر النخبة. علال الفاسي يمثل لحظة الحركة الوطنية؛ المهدي بنبركة يمثل مشروع الحزب السياسي والاجتماعي؛ بن سعيد آيت يدر يمثل المقاومة والمعارضة؛ أحرضان يمثل تقاطع المقاومة والإدارة والبادية والحزب؛ عرشان يمثل انتقالاً من الدولة والإدارة إلى الحزب؛ اليوسفي يمثل انتقال المعارضة التاريخية إلى الحكومة؛ عباس الفاسي يمثل الحزب الوطني التاريخي داخل الدولة؛ شباط يمثل صعود الشعبوية داخل الحزب؛ نزار بركة يمثل محاولة إعادة الاعتبار للمؤسسة والخبرة؛ بنكيران يمثل الزعيم الجماهيري صاحب العلاقة المباشرة مع الجمهور؛ إلياس العماري يمثل صعود المجال المحلي والمجتمع المدني إلى قيادة حزب حديث؛ أخنوش يمثل دخول النخبة الاقتصادية إلى مركز القيادة الحزبية والحكومية؛ المنصوري تمثل نموذجاً لقيادة نسائية صاعدة من المجال المحلي والهندسة التنظيمية الحزبية إلى قيادة حزب مركزي ودور حكومي؛ ووهبي يضيف نموذج السياسي المهني الحقوقي؛ ولقجع يقدم نموذج النخبة التقنية والإدارية التي تنتقل من إدارة قطاع تخصصي إلى مواقع القرار الحكومي؛ وأوزين يمثل جيلاً جديداً داخل حزب تاريخي يعيد تقديم نفسه في زمن مختلف.
هذه الأسماء، بهذا المعنى، ليست قائمة زعماء، بل سلسلة من بوابات الوصول إلى القرار.
وهنا يتغير السؤال جذرياً. لم يعد السؤال: من هو الزعيم؟ وإنما: أي نوع من النخب أصبح قادراً على الوصول إلى مركز القرار المغربي؟ هل بقي الحزب هو بوابة الصعود الأساسية؟ أم أصبحت هناك بوابات متعددة: الدولة، الإدارة، الاقتصاد، المجتمع المدني، المجال المحلي، المهنة، التقنية، الإعلام، الانتخابات، والقدرة على بناء شبكة اجتماعية وسياسية واسعة؟
وربما لا توجد إجابة واحدة. في مرحلة ما يصنع الحزب النخبة، وفي مرحلة أخرى تصنع النخبة الحزب. وفي مرحلة ثالثة تؤثر الدولة في البيئة التي ينمو فيها الحزب، وفي مرحلة رابعة تعيد الانتخابات ترتيب القوى، وفي مرحلة خامسة يدخل المال والإعلام والمجتمع المدني والتكنولوجيا على الخط. لذلك قد لا يكون هناك «طباخ واحد» للطبق السياسي المغربي؛ قد تكون هناك عدة مطابخ تتقاطع، وأحياناً تتنافس، وأحياناً تنتج النتائج نفسها دون أن تكون قد خططت لها بالطريقة نفسها.
والحزب في هذه الحالة يصبح نقطة التقاء أكثر منه نقطة بداية.
لهذا فإن كلمات مثل الاحتضان والانفصال والإرث ربما تكون أكثر قدرة على تفسير تاريخ الأحزاب المغربية من كلمات مثل الولادة والموت. تيار يدخل حزباً ثم يخرج منه، قيادة تسقط ثم تؤسس حزباً جديداً، حزب تاريخي يحتفظ باسمه لكنه يغير قيادته، مؤسس يرحل ويبقى التنظيم، أو مؤسس يرحل معه الحزب. وهكذا يصبح التاريخ الحزبي المغربي أقرب إلى شجرة تتفرع باستمرار، لا إلى خط مستقيم.
ومن هذه الزاوية لا يعود عرشان هو السؤال، كما لا يصبح أحرضان أو عصمان أو بوعبيد أو اليوسفي أو شباط أو بنكيران أو أخنوش أو المنصوري أو أوزين هو السؤال. كل واحد منهم يمثل مرحلة أو نموذجاً أو بوابة مختلفة من بوابات إنتاج النخبة السياسية. والسؤال الأوسع هو: ما الذي تغير في طريقة الوصول إلى مركز القرار المغربي؟
هل تغيرت النخبة؟ نعم، في مصادرها وأجيالها ومساراتها. هل انقطعت عن الماضي؟ ليس بالضرورة. هل بقي الماضي كما هو؟ ليس بالضرورة أيضاً. وهل يستطيع حزب عمره أكثر من نصف قرن أن يكون الحزب نفسه في 2026 كما كان في 1959؟ قانونياً وتنظيمياً قد يكون الامتداد واضحاً، لكن سياسياً واجتماعياً قد تكون أشياء كثيرة قد تغيرت.
وهنا تظهر «متلازمة قلب الصفحة» مرة أخرى. الحركة الوطنية قلبت صفحة الاستعمار، لكن صفحة الدولة الجديدة فتحت صراعات أخرى. المعارضة قلبت صفحة المشاركة المحدودة، ثم دخلت الحكومة. الأحزاب التاريخية دخلت الدولة، ثم ظهرت أحزاب جديدة. رجال الإدارة دخلوا الأحزاب، ورجال الأعمال دخلوا القيادة، والتقنيون دخلوا الحكومة، والجيل الجديد ورث أحزاباً عمرها عقود.
لكن قلب الصفحة لا يعني دائماً تمزيق الصفحة السابقة. قد تبقى الذاكرة، وقد يبقى الاسم، وقد يبقى التنظيم، وقد تبقى العلاقات، وقد يبقى الشخص نفسه. ولذلك فإن عبارة «النسخة الثانية من حزب الداخلية تستقبل النسخة الأولى» لا ينبغي أن تقدم باعتبارها حقيقة تاريخية، بل باعتبارها صورة سياسية ساخرة تطرح سؤالاً: ماذا حدث بين النسختين؟ وماذا تغير فعلاً؟
ربما يكون الفرق بين الماضي والحاضر أكبر مما توحي به الصورة، وربما يكون أقل مما نعتقد. لكن لا يمكن معرفة ذلك بمجرد النظر إلى الوجوه.
لا بد من قراءة الوثائق.
ولا بد من تتبع مسارات الأحزاب.
ولا بد من رسم خرائط الانشقاق والاندماج.
ولا بد من معرفة من أسس، ومن انشق، ومن احتضن، ومن عاد، ومن ورث، ومن أعاد تعريف الحزب.
ومن هنا يصل التحقيق إلى النقطة التي تجعل محمود عرشان مجرد مدخل لا أكثر. فالرجل ليس القضية كلها، والحركة الديمقراطية الاجتماعية ليست القصة كلها، والحركة الشعبية ليست القصة كلها. إنما عرشان قطعة من طبق سياسي أكبر، تشكل على مدى عقود من الحركة الوطنية والانشقاقات والصراعات الأيديولوجية والمقاومة والمعارضة والإدارة والانتخابات والاقتصاد والإعلام والمجتمع.
وربما لا يوجد طباخ واحد لهذا الطبق.
وربما لا توجد غرفة واحدة تصنع القرار.
لكن هناك تاريخاً يمكن قراءته، ووثائق يمكن فحصها، ومسارات يمكن رسمها، وأسماء يمكن وضعها في مواقعها، وانشقاقات يمكن تتبعها، وقيادات يمكن دراسة انتقالها من مؤسسة إلى أخرى.
ولهذا لا ينبغي أن تكون نهاية التحقيق حكماً على حزب، ولا إدانة لشخص، ولا تبرئة لشخص آخر. النهاية الحقيقية هي أن نضع الخريطة أمام القارئ: الأحزاب، المؤسسون، الانشقاقات، التحالفات، التحولات، الأجيال، المواقع والمسارات، ثم نترك الوقائع تقوم بما لا يستطيع الخطاب أن يقوم به.
ويبقى السؤال الأول قائماً، ولكن بعد أن أصبح أكبر بكثير من محمود عرشان: لماذا نسأل من سمح لرجل الأمس بأن يدخل غرفة اليوم، ولا نسأل من صمم الغرفة؟ من يحدد من يدخلها؟ من يخرج منها؟ من يبقى في ممراتها؟ ومن يحمل مفاتيحها؟ وهل تتغير المفاتيح عندما تتغير الحكومات، أم تتغير الأيدي فقط؟
وهل الحزب هو الذي يصنع النخبة، أم النخبة هي التي تصنع الحزب؟ وهل الدولة تصنع الحزب، أم أن الحزب يعيد تشكيل الدولة؟ وهل نحن أمام صفحات جديدة بالفعل، أم أمام صفحات قديمة أعيد ترتيبها ووضعت لها عناوين جديدة؟
ربما لا توجد إجابة واحدة.
وربما لا توجد غرفة واحدة.
وربما لا يوجد طباخ واحد.
لكن هناك شيئاً واحداً ينبغي ألا يضيع في كل هذا: الفرق بين ما نعرفه وما نظنه. فالتحقيق لا يكتب الجواب مسبقاً. الوثيقة هي التي تكتب. والتاريخ هو الذي يكتب. والخريطة هي التي تكتب. والوقائع هي التي تكتب. وما ظهر منها وما بقي مجهولاً إلى أن يثبت.
ومن هنا لا يعود السؤال: ماذا يفعل عرشان في مشاورات الحكومة؟
بل يصبح السؤال الأوسع والأكثر إزعاجاً للذاكرة السياسية: كيف يستطيع رجل من صفحة قديمة أن يظهر في صفحة جديدة؟ ومن يكتب الصفحات؟ ومن يصنع الكاتب؟ ومن يحدد متى انتهت صفحة وبدأت أخرى؟
هنا فقط يتوقف المقال، لا لأن الجواب اكتمل، وإنما لأن السؤال أصبح أكبر من الاسم، وأكبر من الحزب، وأكبر من الزعيم، وأكبر من الحكومة.
لقد أصبح السؤال عن هندسة الدولة الحزبية المغربية نفسها: كيف تُنتج النخبة؟ كيف تتغير الأحزاب؟ كيف تنتقل السلطة داخلها؟ كيف يُحتضن التيار ثم ينفصل؟ كيف يرث الجيل الجديد حزباً صنعه جيل سابق؟ وكيف يمكن للماضي أن يعبر إلى الحاضر دون أن نعرف، بمجرد النظر إلى الصورة، هل نحن أمام استمرارية أم تحول؟
والفارق بين الاثنين لا يحدده الانطباع. تحدده الوثيقة، والتاريخ، والوقائع، وما ثبت منها، وما نُسب إلى قائله، وما يحتاج إلى تحقيق، وما بقي حتى الآن مجرد معلومة ناقصة.
وربما هنا بالضبط تبدأ الصفحة التالية.