أخبار ليبيا 24

قرارات المنفي بين النص والتنفيذ.. مراسيم تصطدم بالواقع وتبقى حبرا على ورق

تتعدد القرارات والمراسيم التي أصدرها رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، لكن عددا منها لم يتحول إلى إجراءات نافذة على أرض الواقع، في مشهد يعكس اتساع الفجوة بين الصلاحيات المعلنة والقدرة على فرض القرارات داخل مؤسسات الدولة الليبية، فمن إنهاء المظاهر المسلحة في طرابلس، إلى إعادة تشكيل قيادة جهاز المخابرات، مرورا بأزمة مصرف ليبيا المركزي وملف الاستفتاء الدستوري، وصولا إلى الخلاف بشأن المحكمة الدستورية العليا، واجهت قرارات المنفي عقبات قانونية وسياسية وأمنية حالت دون تنفيذها بالصورة التي استهدفتها.

وتكشف هذه الملفات المتباينة أن إصدار القرار لا يعني بالضرورة امتلاك أدوات تطبيقه، خصوصا في ظل الانقسام المؤسسي وتعدد مراكز النفوذ وتداخل الاختصاصات بين السلطات. وبين قرارات أوقفت المحاكم تنفيذها، وأخرى اصطدمت برفض مؤسسات رسمية أو بواقع أمني خارج سيطرة الجهات المكلفة بالتنفيذ، ظل السؤال قائما بشأن مدى قدرة المجلس الرئاسي على تحويل قراراته إلى واقع عملي.

إنهاء المظاهر المسلحة.. قرار يصطدم بنفوذ المجموعات المسلحة

كان ملف الأمن في العاصمة طرابلس من أبرز الاختبارات التي واجهت قرارات المنفي، إذ أصدر القرار رقم 36 لسنة 2025 بشأن إنهاء المظاهر المسلحة، وأسند مهمة ضبط الأمن إلى مديرية أمن طرابلس والشرطة العسكرية، في محاولة لإعادة الاعتبار إلى المؤسسات النظامية وتقليص انتشار التشكيلات المسلحة داخل العاصمة.

لكن القرار لم ينه المظاهر المسلحة على النحو المعلن، وظلت المجموعات المسلحة حاضرة في المشهد الأمني، بما عكس صعوبة فرض الترتيبات الأمنية بقرار إداري في بيئة تتداخل فيها السلطات الرسمية مع قوى مسلحة تمتلك نفوذا ميدانيا.

وأظهرت هذه التجربة أن معالجة الملف الأمني لا تتوقف على إصدار التعليمات وتحديد الجهات المسؤولة، بل ترتبط أيضا بقدرة تلك الجهات على تنفيذ القرارات، وتوافر أدوات إنفاذها، ووجود ترتيبات تضمن خضوع التشكيلات المسلحة لسلطة مؤسسات الدولة. وبذلك بقي قرار إنهاء المظاهر المسلحة مثالا على الفارق بين إعلان التوجه السياسي وتحقيقه فعليا على الأرض.

تعود جذور الأزمة إلى قرار أصدره المجلس الرئاسي بإجراء تغييرات على رأس جهاز المخابرات العامة، شملت إعفاء رئيس الجهاز اللواء حسين العائب وتكليف عبد المجيد مليقطة برئاسة الجهاز، وهو القرار الذي أثار حالة واسعة من الجدل السياسي والقانوني. وزادت حدة الجدل بعد ظهور مليقطة في سلسلة اجتماعات رسمية مع عدد من المسؤولين، من بينهم رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، بصفته رئيسًا لجهاز المخابرات العامة، في وقت لا يزال فيه قرار تعيينه محل اعتراض من أطراف سياسية وقانونية. وفي المقابل، أعلن اللواء حسين العائب تمسكه بمنصبه، معتبرًا أن قرار إعفائه يخالف التشريعات المنظمة لعمل الجهاز، وأنه لا يزال الرئيس الشرعي للمخابرات العامة، وهو ما أدى إلى بروز حالة من ازدواجية المشهد داخل المؤسسة الأمنية. كما أثارت القضية جدلًا إضافيًا بعد تداول اتهامات ومزاعم على مواقع التواصل الاجتماعي وداخل بعض الأوساط السياسية بشأن مواقف منسوبة إلى رئيس الجهاز المكلف تتعلق بملف التطبيع مع إسرائيل، وهو ما دفع محتجين إلى رفع شعارات رافضة للتطبيع وربطها بأزمة رئاسة جهاز المخابرات، بينما لم تصدر أحكام قضائية تثبت هذه الاتهامات. ومنذ صدور القرار، تتواصل ردود الفعل السياسية والشعبية بين مؤيد يرى أن التغيير يدخل ضمن صلاحيات المجلس الرئاسي، ومعارض يعتبر أن إدارة المناصب السيادية يجب أن تتم وفق توافق وطني ومعايير الكفاءة والاستحقاق، بعيدًا عن التجاذبات السياسية أو الاعتبارات الجهوية، الأمر الذي أبقى ملف رئاسة جهاز المخابرات في صدارة المشهد الليبي. مصدر الصورة

جهاز المخابرات.. قرارات إعادة تشكيل تواجه التعطيل القضائي

لم يقتصر تعثر قرارات المنفي على الملف الأمني في العاصمة، بل امتد إلى جهاز المخابرات ، بعدما أصدر قرارات حملت الأرقام 8 و9 و10 لسنة 2026، في إطار تغييرات تتعلق بقيادة الجهاز وإعادة ترتيب أوضاعه.

غير أن هذه القرارات واجهت اعتراضات وخلافات بشأن تنفيذها، مع توقف تنفيذها عقب تدخل القضاء، لتجد رئاسة المجلس الرئاسي نفسها أمام قيود قانونية ومؤسسية حدت من قدرتها على تمرير التغييرات التي أعلنتها.

وتعيد هذه الواقعة طرح إشكالية العلاقة بين المجلس الرئاسي والمؤسسات الأمنية، وحدود صلاحيات كل جهة في إدارة الملفات السيادية، خاصة عندما تتحول القرارات إلى موضع نزاع قضائي. فبدلا من أن تنتهي الإجراءات إلى تغييرات مستقرة في بنية الجهاز، بقي الملف محاطا بالتجاذبات، بما يسلط الضوء على الفجوة بين إصدار القرارات واستكمال آثارها التنفيذية.

مصرف ليبيا المركزي.. قرارات المنفي خارج مسار التسوية النهائية

شكلت أزمة مصرف ليبيا المركزي في عام 2024 محطة أخرى لاختبار قدرة المجلس الرئاسي على فرض قراراته، بعدما تدخل المنفي في محاولة لإعادة تشكيل مجلس إدارة المصرف، بالتزامن مع قرارات تتعلق بتسمية محافظ جديد، وسط خلافات سياسية ومؤسسية بشأن إدارة المؤسسة النقدية.

ورغم تمسك المنفي آنذاك بنفاذ قرارات المجلس الرئاسي، لم تستقر الأزمة عند التشكيلة التي طرحها، واتجهت الأطراف لاحقا إلى مسار تفاوضي برعاية الأمم المتحدة، انتهى إلى ترتيبات جديدة بشأن قيادة المصرف ومجلس إدارته.

وتكشف هذه المحطة أن القرارات الصادرة عن المجلس الرئاسي، حتى عندما تتعلق بمؤسسة سيادية ذات تأثير مباشر في الاقتصاد ، لا تكفي وحدها لحسم النزاعات بين مراكز السلطة. فالتوافقات السياسية وتوازنات المؤسسات تظل عوامل حاسمة في تحديد مصيرها، وهو ما جعل أزمة المصرف المركزي تتجه إلى مسار تفاوضي بدلا من أن تُحسم بقرارات المنفي وحدها.

مفوضية الاستفتاء.. تأسيس بلا استحقاق دستوري

وفي ملف الاستفتاء، أصدر المجلس الرئاسي في أغسطس 2024 قرارا بإنشاء المفوضية الوطنية للاستفتاء والاستعلام الوطني، في خطوة كان يفترض أن تفتح الطريق أمام تنظيم الاستحقاقات المرتبطة بالمسار الدستوري.

لكن إنشاء المفوضية لم يتبعه تنفيذ استفتاء دستوري، وظل الاستحقاق المؤجل بعيدا عن التحول إلى عملية فعلية تنهي حالة الانتظار السياسي. وفي عام 2025، عاد المنفي إلى طرح الملف ضمن تحركات ومراسيم مرتبطة بالاستفتاء والمصالحة الوطنية، قبل أن يطالب المفوضية في أبريل باتخاذ إجراءات خلال 30 يوما لدفع الاستحقاقات الدستورية المؤجلة.

وتطرح هذه التطورات تساؤلات حول جدوى القرارات التي تنشئ المؤسسات وتحدد لها مهام واسعة من دون أن تقترن بخطوات تنفيذية تضمن انتقالها إلى العمل الفعلي. فوجود مفوضية معنية بالاستفتاء لا يعني بالضرورة اقتراب موعده، ما لم تتوافر الترتيبات القانونية والسياسية والفنية اللازمة لإجرائه.

وبذلك بقي ملف الاستفتاء مثالا على المسافة بين الإعلان عن مؤسسات جديدة وبين قدرتها على إنجاز المهام التي أنشئت من أجلها، في ظل استمرار الخلافات التي تعطل حسم المسار الدستوري.

صراع السلطات في ليبيا.. المحكمة العليا تواجه التشريعات البرلمانية مصدر الصورة

المحكمة الدستورية العليا.. مرسوم يفتح مواجهة مع مجلس النواب

وفي الشأن القضائي، أصدر المنفي المرسوم رقم 1 لسنة 2025 بشأن وقف آثار القانون رقم 5 لسنة 2023، الصادر عن مجلس النواب والمتعلق بإنشاء المحكمة الدستورية العليا، مستندا إلى ما أورده المرسوم بشأن حكم الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا.

لكن المرسوم فتح بابا جديدا للخلاف بين المجلس الرئاسي ومجلس النواب، بشأن حدود الاختصاصات والسلطة المخولة لكل مؤسسة في التعامل مع التشريعات المنظمة للقضاء الدستوري. ولم يؤد صدوره وحده إلى إنهاء النزاع بين الطرفين، بل أضاف ملفا آخر إلى قائمة الخلافات المؤسسية القائمة.

وتبرز أهمية هذه القضية في ارتباطها ببنية السلطة القضائية وتفسير الصلاحيات الدستورية، وهي مسائل لا يحسمها صدور مرسوم من طرف واحد ما لم يحظ بالقبول والتنفيذ من الجهات المعنية. وهكذا، تحولت محاولة وقف آثار القانون إلى مواجهة قانونية وسياسية جديدة، بدلا من أن تنهي الخلاف حول المحكمة الدستورية العليا.

قرارات كثيرة.. وأسئلة مستمرة حول آليات التنفيذ

من طرابلس إلى جهاز المخابرات، ومن مصرف ليبيا المركزي إلى الاستفتاء والمحكمة الدستورية العليا، تتكرر في هذه الملفات صورة قرارات صدرت بأهداف معلنة، لكنها واجهت عوائق أمنية أو قضائية أو مؤسسية حالت دون تحقيق النتائج المستهدفة بالصورة التي أعلنها المجلس الرئاسي.

ولا يعني تعثر كل قرار بالضرورة أنه بلا أثر قانوني، فبعض القرارات يظل قائما من الناحية الشكلية، بينما تتوقف آثاره العملية على النزاعات القضائية أو مواقف المؤسسات المعنية. لكن تكرار التعثر يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن قدرة المجلس الرئاسي على تحويل صلاحياته المعلنة إلى إجراءات قابلة للتنفيذ، ومدى امتلاكه أدوات تضمن امتثال الجهات المختلفة لقراراته.

وفي بلد يعاني انقساما مؤسسيا وتعدد مراكز النفوذ، لا تقاس فاعلية القرار بمجرد إعلانه، بل بقدرته على تغيير الواقع وتحقيق الهدف الذي صدر من أجله. وبين قرارات لم تنهِ المظاهر المسلحة، وأخرى تعثرت في المحاكم أو اصطدمت بالخلافات بين المؤسسات، تتكرس صورة سياسية عنوانها اتساع الفجوة بين النص والتنفيذ.

وبهذا المعنى، تبدو عبارة «قرارات المنفي حبر على ورق» توصيفا نقديا لمآلات عدد من الملفات التي لم تحقق أهدافها المعلنة، لا حكما قانونيا موحدا على جميع القرارات؛ فلكل ملف ظروفه ومساره، لكن القاسم المشترك بينها هو استمرار الفجوة بين صدور القرار والوصول إلى نتيجة ملموسة على أرض الواقع.