د. أمل عبدالله الهدابي تكتب: رسائل استمرار الفعاليات الكبرى بالخليج في محيط إقليمي مضطرب
تمر منطقة الشرق الأوسط، وفى القلب منها منطقة الخليج العربى، بتطورات بالغة التعقيد فرضتها الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية منذ 28 فبراير 2026، والاعتداءات الإيرانية الغاشمة على دول المنطقة، وما ترتب على ذلك من اتساع نطاق الحرب، وتهديد حالة الأمن والاستقرار الإقليمى، والإضرار بسلاسل الإمداد الاقتصادية والتجارية التى تربط المنطقة بالعالم، ولا سيّما مع الإغلاق المتكرر لمضيق هرمز، الذى يمر عبره نحو خُمس إمدادات الطاقة العالمية.
وعلى الرغم من هذه الحالة التى تشهدها المنطقة؛ برزت ظاهرة لافتة تتمثل فى استمرار دول مجلس التعاون الخليجى، ولا سيّما دولة الإمارات العربية المتحدة، فى تنظيم واستضافة الفعاليات الإقليمية والدولية الكبرى، فى المجالات الثقافية والاقتصادية والرياضية وغيرها. وتتجاوز هذه الظاهرة كونها مجرد استمرار لبرامج وفعاليات مقررة مسبقاً؛ إذ تحمل دلالات إيجابية سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وأمنية، وتعكس، فى الوقت ذاته، قدرة هذه الدول على الفصل النسبى بين تداعيات الأزمات الإقليمية وبين مسارات التنمية والحياة العامة.
فعاليات متنوعة:
بالرغم من الظروف الإقليمية المعقدة المحيطة بها، فإن دول الخليج، وفى القلب منها دولة الإمارات، استطاعت عبر سياسات مرنة واستباقية أن تقلص مخاطر هذه التهديدات، وأن تحافظ على سير الحياة بصورة طبيعية داخلها؛ وهو ما انعكس فى استمرارية وتنوع الفعاليات الإقليمية والدولية التى تشهدها فى مختلف المجالات الثقافية والرياضية والاقتصادية والتكنولوجية. ومن ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، فعاليات الدورة الـ35 من معرض أبوظبى الدولى للكتاب، التى نظمها مركز أبوظبى للغة العربية، خلال الفترة من 13 إلى 18 سبتمبر 2026، بمشاركة عارضين من 95 دولة، من بينها 7 دول شاركت للمرة الأولى، وبأكثر من 1500 فعالية ثقافية ومعرفية. كما استضافت أبوظبى، خلال الفترة من 26 سبتمبر إلى 1 أكتوبر 2026، أعمال مؤتمر الأمم المتحدة الخامس عشر لمنع الجريمة والعدالة الجنائية بمشاركة أكثر من 9 آلاف مشارك يمثلون أكثر من 121 دولة، وأكثر من 205 منظمات دولية وغير حكومية، فى محطة عالمية عززت مكانة الإمارات كمنصة دولية لمناقشة مستقبل منع الجريمة والعدالة الجنائية وسيادة القانون. أيضاً، يشهد مركز أدنيك أبوظبى أجندة حافلة بالفعاليات والمعارض حتى نهاية العام الحالى، فى قطاعات متنوّعة منها التجارة والاستثمار والصناعة والصحة والتعليم والغذاء والذكاء الاصطناعى.
كما استضافت دبى، خلال الفترة من 1 إلى 3 سبتمبر، فعاليات الدورة الخمسين من معرض الشرق الأوسط للطاقة 2026، بمشاركة أكثر من 30 ألفاً من أبرز المعنيين وصناع القرار فى قطاع الطاقة من مختلف أنحاء العالم، وأكثر من 1500 عارض من أكثر من 120 دولة. وإضافة إلى ذلك، استضافت دبى خلال شهر سبتمبر وحده نحو 14 فعالية دولية فى قطاعات الطاقة والاستثمار والسفر والتمويل والأمن السيبرانى والتقنية والتوظيف، من بينها قمة (AIM) للاستثمار، والمعرض الدولى للعقارات، ومعرض كريبتو إكسبو المتخصص فى العملات المشفرة والأصول الرقمية، وسوق السفر العربى، والدورة الخامسة عشرة من معرض «جيسيك غلوبال»، أكبر ملتقى للأمن السيبرانى فى منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا، ومعرض الفوركس، ومعرض سيملس الشرق الأوسط للتكنولوجيا المالية، ومعرض ومؤتمر تكنولوجيا الغاز والنفط «جوتيك»، وغيرها.
وعلى المستوى الرياضى، انطلقت فى مدينة جدة السعودية منافسات كأس الخليج العربى «خليجى 27» خلال الفترة من 23 سبتمبر حتى 6 أكتوبر 2026، بمشاركة ثمانية منتخبات، وهى بطولة رياضية تحظى بشعبية ومتابعة واسعة فى دول الخليج.
دلالات إيجابية:
تتنوع الدلالات والرسائل التى تحملها استمرارية دول الخليج فى تنظيم الفعاليات الكبرى، بالرغم من حالة عدم الاستقرار الإقليمى، ومن أبرزها ما يلي:
1- تعزيز الصورة الذهنية الإيجابية عن دول الخليج وقوتها الناعمة: تؤثر الحروب والتوترات فى الصورة الذهنية التى تتشكل عن الشرق الأوسط لدى الرأى العام العالمى، وغالباً ما تهيمن الأخبار المرتبطة بالصراعات والتهديدات الأمنية والأزمات الإنسانية على التغطية الدولية. ومن هنا تكتسب الفعاليات الكبرى أهمية خاصة؛ لأنها تقدم صورة أخرى عن المنطقة، تظهر فيها مدن الخليج العربية باعتبارها مراكز للثقافة والرياضة والسياحة والاستثمار والحوار الدولى. كما أن التغطية المصاحبة لهذه الفعاليات لا تقتصر على تناول المناسبة فقط، وإنما تقدم صورة عن الأمن والاستقرار الذى تتمتع به العديد من دول الشرق الأوسط، وعن تطور بنيتها التحتية والخدمات ومستوى التنظيم؛ وهو ما يعزز الصورة الإيجابية لها فى الذهنية الدولية. كذلك تعزز هذه الفعاليات القوة الناعمة لدول المنطقة؛ حيث تساعد الدول المضيفة لها على تقديم رواية مختلفة عن نفسها، تقوم على التنمية والانفتاح والتواصل، بدلاً من أن تظل صورة المنطقة مرتبطة حصراً بالصراع والتهديدات الأمنية.
2- ترسيخ مفهوم الاستقرار فى محيط إقليمى مضطرب: على مدى سنوات طويلة، حافظت دول الخليج، وفى القلب منها دولة الإمارات، على تقديم صورة لنفسها بوصفها تنعم بالرخاء والاستقرار وسط محيط إقليمى مضطرب، وعززت هذه الصورة من خلال إنجازاتها التنموية واستقرارها السياسى وعلاقاتها المتوازنة مع مختلف دول العالم. ويمثل استمرار تنظيم واستضافة الفعاليات الكبرى فى عدد من دول المنطقة مؤشراً على استمرار تمتع هذه الدول بالاستقرار والثقة الدولية فى قدرتها على توفير بيئة مستقرة تسمح بمواصلة تنظيم الفعاليات حتى فى ظل استمرار الحروب والصراعات فى مناطق أخرى بالإقليم. وبالرغم من تعرض دول الخليج لاعتداءات إيرانية متكررة؛ فإنها نجحت من خلال منظوماتها الدفاعية المتقدمة فى إفشال الأغلبية الساحقة من هذه الهجمات، والحيلولة دون تأثيرها فى بيئتها الداخلية المستقرة؛ وهو ما عزز صورتها بوصفها بيئة آمنة ومستقرة وسط محيط مضطرب.
3- تأكيد الجاهزية المؤسسية والأمنية: لا شك فى أن تنظيم فعالية دولية كبرى فى بيئة إقليمية مضطربة يتطلب مستوى مرتفعاً من التنسيق المؤسسى. فالأمر لا يتعلق فقط بالموقع، وإنما يشمل أمن الفعاليات وإدارة الحشود والنقل والصحة والطوارئ والاتصالات والإعلام والخدمات اللوجستية؛ ومن ثم فإن القدرة على تنظيم الفعاليات الكبرى بصورة منتظمة تعكس، فى جانب منها، مستوى مرتفعاً من الجاهزية المؤسسية وقدرة الأجهزة المختلفة على العمل بصورة متكاملة. كما تمثل رسالة عملية ومباشرة للعالم بتوافر مستويات عالية من الأمان والجاهزية الأمنية والاستقرار الداخلى للدول المضيفة، بمعزل عن أزمات الإقليم.
وثمة جانب آخر مهم فى هذه النقطة، وهو أن مستوى الجاهزية والاستعداد المسبق للسيناريوهات المختلفة قد مكّن هذه الدول من توفير البيئة الآمنة والمناسبة لاستضافة وتنظيم الفعاليات الإقليمية والدولية، وعزز ثقة المجتمع الدولى فى نجاحها. ويمكن الإشارة هنا إلى النموذج الإماراتي؛ حيث وضعت الدولة على مدى سنوات رؤية مستقبلية طموحة لسياساتها، وأقرت تشريعات واستراتيجيات متوسطة وطويلة المدى لتحقيق هذه الرؤية فى المجالات كافة، ومن بينها المجال الدفاعى والعسكرى. فقد آمنت القيادة الرشيدة أن بناء دولة رائدة فى المنطقة والعالم يتطلب وجود قوات مسلحة متطورة وقوية تدافع عن هذه التنمية وتحميها، فاستثمرت بكثافة فى تطوير القوات المسلحة وتزويدها بأحدث منظومات الأسلحة فى العالم، كما طورت جاهزية العناصر البشرية ووصلت بها إلى المستويات العالمية. وبالرغم من أن دولة الإمارات تعرّضت للعدد الأكبر من الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج؛ فإن الدولة كانت الأعلى من حيث نسبة إفشال واعتراض هذه الهجمات وبنحو 96٪؛ وهو ما يلقى الضوء على كفاءة منظومات الدفاع الجوى والجاهزية العالية التى عملت مؤسسات الدولة على بنائها خلال سنوات.
4- الثقة الدولية فى كفاءة التنظيم الخليجى للفعاليات الكبرى: إن استمرار المؤسسات الأممية والاتحادات الرياضية الدولية والحكومات والشركات الدولية فى اختيار دول الخليج، وعلى رأسها دولة الإمارات، كمنصات لاستضافة وتنظيم الفعاليات الكبرى؛ يعكس مستوى مرتفعاً من الثقة الدولية فى هذه الدول، التى أثبتت امتلاكها لرؤى فى الحوكمة وإدارة المخاطر تقوم على قدر كبير من المرونة، إلى جانب مؤسسات تعمل وفق مستويات مرتفعة من الجاهزية والاستباقية.
5- استمرارية البناء والتنمية رغم الأزمات: من أبرز دلالات استمرار الفعاليات الكبرى أنها تمثل رسالة واضحة بأن الحروب والصراعات والأزمات لا ينبغى أن تؤدى بالضرورة إلى تعطيل الحياة العامة والتنمية فى كامل دول المنطقة. فالفعاليات الثقافية، مثل معارض الكتب والمهرجانات الفنية والمؤتمرات الفكرية، وكذلك البطولات الرياضية؛ توفر مساحات للحياة الطبيعية والتفاعل الإنسانى، وتشكل نوعاً من مقاومة آثار عدم الاستقرار، من خلال تأكيد أن المنطقة ليست مرادفاً للحروب والأزمات فقط، وإنما تضم مجتمعات حيوية ومدناً قادرة على الإنتاج والإبداع والانفتاح على العالم.
6- دعم الاقتصاد وتنويع مصادر الدخل: يأتى حرص دول الخليج على ضمان استمرارية تنظيم الفعاليات الإقليمية والدولية، وتوفير مختلف السبل لإنجاحها؛ ضمن إطار أوسع يتعلق برغبة هذه الدول فى تنويع اقتصاداتها ومصادر دخلها القومى. فالفعاليات الكبرى يمتد أثرها إلى قطاعات متعددة، منها الفنادق والمطاعم والطيران والنقل والسياحة والإعلام والخدمات اللوجستية. كما تساعد الفعاليات الناجحة على زيادة جاذبية المدن للاستثمارات المستقبلية؛ ما يجعلها جزءاً من استراتيجيات التنمية الوطنية.
7- الحفاظ على تنافسية دول الخليج كوجهة مميزة لتنظيم الأحداث الكبرى: شهدت السنوات الأخيرة تحولاً هيكلياً واستراتيجياً جعل من دول الخليج مركز ثقل عالمى لاستضافة كبرى الفعاليات والمؤتمرات الرياضية والثقافية والبيئية والدبلوماسية. وقد عززت دولة الإمارات، على وجه الخصوص، مكانتها كوجهة عالمية للفعاليات والأحداث الكبرى؛ بدءاً من التنظيم المتميز لفعاليات «إكسبو دبى 2020»، الذى جمع العالم فى منصة واحدة، مروراً بمؤتمر المناخ «كوب 28»، الذى شهد التوصل إلى تفاهمات مهمة بشأن التحول المناخى العالمى، وصولاً إلى مؤتمر الأمم المتحدة لمنع الجريمة والعدالة الجنائية 2026، إلى جانب الفعاليات الرياضية الدورية المنتظمة، مثل سباقات «فورمولا 1» فى أبوظبى. وفى هذه الفعاليات وغيرها، نجحت دولة الإمارات فى جمع الأطراف الدولية وتوفير الظروف الملائمة للنقاش والتفاعل؛ مما عزز دورها كمنصة رائدة للفعاليات الإقليمية والدولية. ولا ترغب دول الخليج فى فقدان ما حققته من مكاسب فى هذا المجال؛ ولذلك تحرص على ضمان استمرار تنظيم الفعاليات الكبرى، بصرف النظر عن التطورات التى قد يشهدها الإقليم.
ختاماً، إن نجاح دول الخليج، وفى مقدمتها دولة الإمارات، فى الحفاظ على زخم الفعاليات الكبرى خلال الأزمات والتوترات الإقليمية؛ يقدم مؤشراً واضحاً على ما تتمتع به هذه الدول من استقرار وقدرة مؤسسية ومرونة فى إدارة المخاطر. ولا تتوقف دلالة ذلك عند حدود استمرار تنظيم الفعاليات، وإنما تمتد إلى تأكيد قدرة دول الخليج على الفصل بين تداعيات الأزمات الإقليمية ومسارات التنمية الوطنية، والحفاظ على انفتاحها على العالم؛ ومن ثم تمثل استمرارية هذه الفعاليات إحدى أدوات تعزيز القوة الناعمة، ودعم الاقتصاد، وترسيخ الثقة الدولية، والحفاظ على مكانة المنطقة مركزاً للابتكار والحوار والتفاعل العالمى.
*كاتبة إماراتية
ينشر بالتعاون مع مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة