في عيد ميلاده التسعين.. أيادٍ صنعت سنوات عمرو موسى
يد أمه على يده فى مركب شراعى، وطربوش يتحول إلى كرة بين التلاميذ، وقاموس تعيده إليه كلما تعثر فى كلمة إنجليزية، ثم يكبر قليلًا، ويخرج إلى السينما مع أصدقائه، ويجرب سيجارًا أكبر من خبرته، ويسافر إلى بيروت مرتديًا معطف أبيه، بهذه الأشياء الصغيرة يستعيد عمرو موسى بداياته فى مذكراته «كتابيه: الكتاب الأول، النشأة وسنوات الدبلوماسية»، تحرير وتوثيق خالد أبو بكر، الصادرة عن دار الشروق، عام 2017، وفيها نلتقى به طفلًا وشابًا وابنًا، يروى كيف عاش أيامه بين الأسرة والمدرسة والأصدقاء.
أتم عمرو موسى التسعين فى الثالث من أكتوبر الجارى، وحين نعود إلى مذكراته من باب البيت، نجد ثريا حسين الهرميل حاضرة منذ أولى النزهات: تخرجه إلى النيل، وتشد على يده فى المركب، بقيت القبضة فى ذاكرته مع الهواء والوجوه التى شاركت الرحلة، يبدأ منها الحكى، على صفحة النهر الذى عرفه من حى منيل الروضة.
يد الأم.. وأول انتقال
يقول موسى فى مذكراته: «النيل من الأشياء التى ارتبطت بها منذ مرحلة باكرة من حياتى. أذكر بمزيد من السعادة تلك المرات التى أخذتنى فيها والدتى السيدة (ثريا حسين الهرميل) للتنزه على صفحة هذا النهر العظيم. مازلت أشعر بقبضة يدها وهى تمسكنى بقوة خلال ركوبنا المراكب الشراعية التى كنا نتجول بها فى مياهه.
أعتقد أن ذلك كان يجرى فى الربيع والصيف. كانت أوقاتا رائعة نقضيها مع الأهل والأصدقاء والجيران، تداعبنا فيها نسمات الهواء العليل، وتظللنا سماء القاهرة الصافية، بشمسها التى تنثر أشعتها الذهبية أو قمرها الذى ينشر أشعته الفضية على صفحات النهر الخالد؛ فتخلق أجواء أسطورية تتسلل إلى وجدان الناس فيعشقون وطنهم ويستمتعون بأوقاتهم، قدر إمكاناتهم، حتى الفلاح غنى له عبد الوهاب (محلاها عيشة الفلاح). وبصرف النظر عن أبعاد هذه (العيشة) إلا أن الحياة كانت ميسرة، والكل يحب مصر».
تأتى أمه فى الذكرى بيدها قبل أى شىء آخر؛ يكفيه أن يستعيد القبضة حتى تعود النزهة بمن فيها، احتفظ المنيل بالأشجار والشوارع الواسعة، وبالناس الذين يمشون وفى أيديهم صحف يقرؤونها، ثم انتقلت الأسرة إلى شارع سعيد المتفرع من القصر العينى، وكان الصبى عمرو يطل من النافذة على الحدائق والحركة فى الشارع، وأمه تشرح له ما يراه، وفى البيت يتردد الأقارب، وتجمعهم دعوات الطعام؛ حيث تبدأ معرفته بالمدينة من النزهة والنافذة ومواعيد العائلة.
تغيرت الحياة حين أصيب والده، الدكتور محمود أبو زيد موسى، بالفالج (شَلَلٌ يصيب أحد شقى الجسم طولا) بعد أن تجاوز عمرو الخامسة بقليل، كان العيش فى الريف، حيث الهواء والهدوء، من الوصفات المقترحة لتحسين حالته، دعاهم الجد لأمه، حسين الهرميل، إلى منزله الكبير فى محلة مرحوم قرب طنطا، وخصص لهم جناحًا كاملًا، أخذت الأسرة طريقها إلى القرية، وصار عمرو موسى قريبًا من أبناء خالاته، يشاركهم اللعب، ويصحب جده فى الزيارات.
عمرو وشفيق أمام السبورة
فى محلة مرحوم وجد رفيقه شفيق الهرميل، كانا يلعبان حين استدعاهما الجد وضاق باستمرار اللهو طوال النهار، نادى إبراهيم الكفورى، الفراش الذى يتولى شؤونه، وكلفه بأن يصطحبهما إلى المدرسة الإلزامية عند أول القرية، بالقرب من محطة قطار الدلتا، بلغ الكفورى ناظرها، الشيخ محمد الننى، رغبة الجد، فقبل الصبيين، يتذكر موسى شخصية الننى الصارمة وخيزرانته التى تكفى لإسكات التلاميذ.
ثم يتذكر يوم دخوله الفصل: «دخلنا -شفيق وأنا -فصلا من فصول المدرسة الإلزامية. مازلت أذكر الكلمات الأولى التى كانت مكتوبة على السبورة، ويرددها التلاميذ خلف المعلم: (وزن، أخذ، زرع، حصد). أجلسنى المعلم الذى كان يرتدى بدلة وطربوشا فى الصف الأول وأجلس شفيق فى الثانى. انتظمنا من وقتها فى الدراسة بعد أن استلمنا الكتب المخصصة لهذه المرحلة، وفى آخر العام جاء ترتيبى الأول على الفصل».
كانت هناك أيضًا حصتان لحفظ القرآن فى مبنى قريب من حوش المدرسة، الشيخ الذى يعلمهم يصنع «القفف» و«المقاطف» من سعف النخيل؛ يرتل ويغزل السعف فى الوقت نفسه، وفى ذاكرة عمرو الصبى ظل صباح شتوى دخل فيه إلى ذلك المكان، وأشعة الشمس على موضع جلوس الشيخ، والتلاميذ يرددون وراءه، وتلك يد أخرى فى طفولته: يد الجد تقوده إلى الفصل، ثم تظل تتابع الكتاب الذى يحمله والخط الذى يكتبه.
جريدة الجد.. والبنطلون الرمادى
توفى الأب سنة ١٩٤٥، فأحاط الجد حفيده بعناية خاصة، فى أيام الجمع والإجازات كان يدعوه، ويعطيه جريدة المصرى ليقرأ له مقالًا، يتابع نطقه، ويصوب الكلمات، ويعود إلى طلب القراءة منه، وحين لاحظ أن خطه يحتاج إلى تحسين، جعل له مدرسًا وحصصًا منتظمة، يضيف موسى: «لاحظ جدى - يرحمه الله- أنى أسير بخطوات جيدة فى القراءة والكتابة، غير أن خطى كان سيئًا؛ فأتى لى بمدرس لتعليم الخط؛ ليعطينى ثلاث حصص فى الأسبوع، على أن تكون إحداها يوم الجمعة. تلقيت على يديه دروسًا مهمة، دائمًا ما كان يعطى جدى تقارير تفيد بأن مستواى فى تقدم. تحسن خطى بالفعل، وإلى الآن حين أكتب على مهل يكون خطى جميلًا، لكن هذا الجمال يتلاشى نسبيًا عندما أضطر للكتابة بسرعة».
وبجانب التعليم كان الصبى عمرو مشغولًا بمظهره، حين دخل الابتدائية أراد ملابس أقرب إلى الكبار، وألح على أمه حتى حصل على ما طلب، يروى بداية فرحته بالبنطلون الطويل، وما حدث للأناقة حين اجتمع التلاميذ للعب: «ذهبت بعد ذلك إلى المدرسة الابتدائية، ومع دخولى إياها لبست (بنطلونا طويلا) لأول مرة، قبلها كنت أرتدى (الشورت) مثل معظم أطفال ذلك الزمان. كان لبس البنطلون الطويل واحدا من المطالب التى ألححت بها على أمى. كانت تقول لي: (استمتع بالشورت؛ لأنك لن ترتديه كثيرا عندما تكبر. تمتع بطفولتك يا ابنى)، غير أننى كنت مصرا على ارتداء البنطلون الطويل. أول بنطلون أرتديه كان رماديا، لبسته مع جاكت أزرق أو بلوڤر أخضر، وطربوش، فكان هندامى معقولا، لكن هذه القيافة والشياكة كانتا تذهبان إلى خبر كان عندما نلعب الكرة فى المدرسة؛ ففى المرات التى كنا لا نجد فيها كرة نلعب بها، كنا نلعب بطربوش واحد منا!».
فى مدرسة طنطا الابتدائية الأميرية تعرف إلى أصدقاء من قرى ومدن أخرى، وراقب أناقة المعلمين الذين يأتون من القاهرة، والطابور الذى تُفحص فيه الملابس والأظافر، وأحب حصة الفلاحة: يخرج الفصل إلى حديقة المدرسة، ويسمى المعلم الورود، ويشرك التلاميذ فى غرس بعضها، بقيت فى ذاكرته زهور «البانسيه» اتى يغلب عليها اللون الأزرق، والتمييز بين الفل والياسمين.
سور يقفزون منه.. وبيت يسأل: أين كانوا؟
كانت الرحلات المدرسية إلى القاهرة والإسكندرية من أحب المواعيد إليه، يشترك فيها ليقضى وقتًا أطول مع زملائه، ويستمتع بما تتيحه من ابتعاد عن متابعة الأهل، وفى الليل، بعدما يطمئن المشرفون إلى أن التلاميذ ذهبوا إلى مقر نومهم، يقفز عمرو وثلاثة أو أربعة من أصدقائه من السور ويخرجون للتنزه مرة أخرى، يجلسون فى المقاهى، أو يمشون فى الشوارع، ويبحثون عن أماكن لم يشملها برنامج الرحلة.
يمنحهم المشرفون أحيانًا إذنًا لزيارة الأقارب، لكنهم يريدون وقتًا إضافيًا للتجول، وعند العودة إلى البيت تأتى الأسئلة: الجد يتابع الدراسة والقراءة، والأم تتابع السلوك والصحة والنظافة. كانت حريتهم فى الرحلة محسوبة فى البيت على نحو مختلف؛ وبعد سنوات حكى موسى عن القفز من السور كما حكى عن رقابة من ربوه، كان يبحث عن فسحة أوسع كلما خرج؛ وفى قرية «بهادة» بقليوب (الآن تتبع مركز القناطر الخيرية) وجدها داخل العائلة نفسها.
فى الحادية عشرة.. صاروا ينادونه جدى!
فى الصيف تتغير الوجهة، ترسله أمه إلى قرية «بهادة» بالقليوبية ليقضى أسبوعين مع أسرة أبيه، ثم يلحق بها وبجده وبقية الأقارب فى مصيف الإسكندرية، هناك اكتشف مساحة أخرى للحرية، وألقابًا عائلية أحبها الصبى الذى يستعجل الكبر، يسرد عمرو موسى فى مذكراته: «لكن الاختلاف أن أهلى الذين أذهب لزيارتهم والمقيمين فى بهادة لم يكونوا أعمامى، بل كانوا أبناء أعمامى. كنت أعتبر ذلك وضعا ممتازا بالنسبة إلي؛ لأنه ليس هناك من سيعطينى تعليمات وأوامر من تلك التى تصدر عن الأعمام والأخوال. كما كان هناك من يقول لي: (يا عمى) على صغر سنى، وهم أبناء أولاد أعمامى، وكنت أسعد بذلك فى هذه السن الصغيرة، بل إن بعض أولاد أعمامى الكبار أصبح (جدا) فأصبحت معهم أحمل لقب (جدى) وأنا ابن أحد عشر عاما، وكم كنت أسعد بذلك، وإن أدى إلى السخرية حين علم أهل محلة مرحوم بذلك».
كانت أسرة الأب تعتنى بالخيل الأصيلة، يخرج عمرو الصبى مع الأقارب لركوبها فى مجموعات بعد الظهر، بين الحقول والمزارع، أو يتوجهون إلى القناطر الخيرية فى العصارى، وفى الجلسات يشرب الشاى الأسود شديد الحلاوة، ويسمع الشعر والأمثال أو يرددها، على عكس محلة مرحوم التى كان يسيطر عليها الطابع السياسى كما يقول.
وله فى بهادة ميزة أخرى: أرض ورثها عن أبيه، يستطيع أن يطلب ممن يشرفون عليها مالًا إضافيًا، خارج حساب المصروف الذى تتولاه الأم، يسعد بالزيادة لأنها تعنى زيارة للقاهرة، أو سينما، أو سفرًا ونزهة ليلية، وبين القريتين عرف أشكالًا مختلفة من المتعة، وعند أهل الأب وجد الفرصة لأن يزيد نصيبه منها.
القاهرة.. سينما وفيل وصوت من الراديو
ظل قلبه متعلقًا بالقاهرة، ففى إجازة نصف السنة يقضى عشرة أيام عند خاله أو خالته، ويقسمها بين الخروج مع الجد ومشاركة أطفال العائلة نزهاتهم، حين يذهبون إلى حديقتى الحيوانات والأسماك، ويركبون القوارب ذات البدالات، وفى حديقة الحيوانات تنتظره متعة أخرى كما يقول: «من الأشياء الجميلة التى أحبها أطفال جيلنا فى (جنينة الحيوانات) الركوب على ظهر الفيل، الذى كان يطوف بنا أرجاء الجنينة. كانوا يضعون شيئا يشبه الهودج المكشوف على ظهره، وفى الناحية اليمنى منه يتم وضع طفلين أو ثلاثة، ومثلهم فى الناحية اليسرى؛ لينطلق بنا ونحن فى منتهى السعادة. كانت هذه الفترة من حياتى مليئة بالفرحة والتسلية والتعلم».
وفى منزل خاله سامى الهرميل رأى عمرو موسى الموسيقار محمد عبدالوهاب خلال عشاء دعا إليه الخال أصدقاءه، خجل الصبى من الاقتراب والسلام، وظل يشاهده من بعيد، كان قد سمع أغنية (الكرنك) فى حجرة مكتب الخال، وأغنية (كليوباترا) من الراديو فى بيت خالته بطنطا؛ الأغنيتان اللتان ربطهما ببداية إعجابه بالصوت، وفى محلة مرحوم كان الجد يجمع الأقارب حول العشاء والحفل الشهرى لأم كلثوم.
أما السينما فكان يقصدها بمجرد زيارة القاهرة؛ أحب سينما مترو، وارتاد سينمات: كايرو وديانا وريفولى، يتذكر الأورج الذى يعزف للجمهور خلال استراحة ريفولى، والأفلام الأمريكية التى يصطحبه إليها خاله أو خالته، وفى إحدى زيارات السينما مع أصحابه، قرر أن يجرب السيجار الذى وصل إليه بعد الثالثة عشرة بقليل. فاستعجال الكبر الذى ظهر فى البنطلون الطويل صار هنا تجربة أكثر إحراجًا؛ والأصدقاء حاضرون ليساعدوه ويضحكوا معه.
السيجار الأول.. وقواميس الأم
يستعيد عمرو موسى تلك اللحظة فى مذكراته «كتابيه»: «لم أكن على علم ودراية بكيفية تدخين (السيجار)؛ فسحبت نفسا عميقا وكأننى أدخن سيجارة صغيرة. على إثر ذلك النفس العميق دخلت فورا فى نوبة إغماء. حملنى أصدقائى إلى خارج السينما وسط ضحك وتريقة، وأنا لا أشعر إلا بالماء الذى يلقونه على وجهى كى أفيق، وبينما أنا خارج من حالة الإغماء قال أحدهم وهو منهمك فى الضحك: (لما إنت مش قد السيجار، بتشربه ليه؟)، وظل أصدقائى يذكروننى بهذه الحادثة لفترة طويلة».
احتفظ الأصدقاء بالموقف وواصلوا تذكيره به، وفى البيت، كانت والدته ثريا شديدة الحساسية تجاه التدخين، حين تعرف أنه دخن، تستدعى من شهد الواقعة من الأقارب والعاملين، وتسأل لماذا تركوه ولماذا لم يخبروها، ويستمر أثر غضبها أيامًا، بينما يجد الجد أسرع إلى الصفح، ومع ذلك، كانت الأم تسمح بالسينما والرحلات، وتترك له مجالًا للاستمتاع بصحبة زملائه.
ومن مساءلة التدخين إلى سؤال فى اللغة، تتغير نبرة الأم ويبقى انشغالها به، ثم يعود إلى مجالستها، حيث ينتظره درس الإنجليزية، وللوالدة ثريا كتب احتفظت بها منذ الدراسة، وقواميس تبحث له عنها، وأسئلة فى الكلمات كلما جلسا معًا، يتذكر موسى: «كانت والدتى -يرحمها الله- اجتماعية جدا، ولها صديقات كثيرات، لا تنقطع زياراتها لهن وزيارتهن لها، وبجانب ذلك كانت تعشق اللغة الإنجليزية، وتحتفظ بالكتب الخاصة بتعلمها منذ فترة دراستها التى انتهت بحصولها على البكالوريا. أظهرت حرصا شديدا على إتقانى لهذه اللغة؛ فكانت تشرح لى قواعدها، وتشترى لى كل ما يقع تحت يديها من القواميس (إنجليزي/عربى) كى تساعدنى على زيادة حصيلتى من المفردات الإنجليزية».
كان الجد يشارك فى المتابعة أيضًا، فأثناء قراءة المقال قد يسأله عن المقابل الإنجليزى لكلمة، فإذا جهل الإجابة طلب منه أن يفتح القاموس. أرادت الأم أن تراه متقنًا للغة، لكن حين اقترح الجامعة الأمريكية أرادت له جامعة القاهرة وكلية الحقوق. وفى بداية الثانوية، بعدما أهمل بعض الدروس ورسب، قلصت مصروفه وحدّت من الرحلات والنزهات، وصارت تتابع مذاكرته بصورة شبه يومية.
الأصدقاء فى القطار.. والآباء فى المعاطف
دخل عمرو موسى كلية الحقوق بعد أن عرض مشكلة قبول أوراقه على الشيخ والفقيه القانونى محمد أبو زهرة، ونال موافقته، عاد إلى أمه بكارنيه الجامعة المؤقت فرحًا بالكلية التى أرادها وأرادتها معه، ثم انتقلت الأسرة إلى القاهرة بعد نقل زوج الأم، المهندس محمد عبدالرحمن عبدالبارى، إليها، وانتهى النقاش الذى دار حول مكان سكن الطالب.
وجد عمرو فى الجامعة زملاء قادمين من الأقاليم، وآخرين من القاهرة، وموظفين يدرسون إلى جانب عملهم، فجلس بجوار مجموعة الموظفين فى أيامه الأولى، وأحب خفة ظلهم، وذهب معهم إلى المقاهى للعب الطاولة والدومينو، أما دائرة الأصدقاء التى تشكلت بين هذه المجموعات، فحكى عن أيامها: «من بين هذه الأطياف الواسعة تكونت شلتى فى الجامعة كنا نشارك فى معظم رحلات الكلية خصوصا تلك المتوجهة إلى الخارج. كنا نرتب حركة (الويك إند) لنذهب إلى السينما أو المسرح يوم الخميس وربما يوم الجمعة. ما جعلنى أتمتع أكثر بالحياة الجامعية هى هذه الشلة (نصحنى جدى باستخدام لفظ «الثلة» وليس الشلة) التى جعلت حياتنا الجامعية ذات صخب شديد وحركة دائبة ومغامرات مضحكة لاسيما أننا كنا نخطط لنسافر إلى المصيف معا، والاشتراك فى الرحلات الجامعية، بل كنا نخترع الأسباب لنسافر إلى الإسكندرية أو الإسماعيلية فى الشتاء وقضاء يومين هائمين فى شوارعها أو مقاهيها، وكان القطار هو وسيلتنا فى السفر. كم كانت أوقاتنا فى الجامعة سعيدة! والجميل أننا فى نهاية العام نكون من الناجحين، وبتقدير جيد لمعظمنا».
وفى سنة ١٩٥٥ سافر معهم بالباخرة من الإسكندرية إلى بيروت، فى رحلة شملت سوريا ولبنان، وكانت هذه أول إطلالة له على العالم العربى، وكان الدكتور فؤاد عبدالمنعم رياض مشرفًا عليهم، وخطيبته معه، فاستغل الطلاب انشغاله بها ليزيدوا نصيبهم من اللهو، فاستأجروا سيارة تجول بهم، واحتفظ موسى باسم سائقها وأغنيته: «سائق السيارة التى استأجرناها لتحركاتنا فى لبنان كان اسمه (الخواجة كميل). ظل هذا الرجل يغنى لنا أغانى عبد الوهاب طوال الرحلة. كان يحب جدا أغنية (يا جارة الوادى)، كنا نتركه ينتظرنا فى ساحة البرج (ساحة الشهداء حاليا) بوسط بيروت، ونأخذ جولتنا ثم نعود إليه، ليواصل الغناء ويوصلنا حيث نريد أو يعود بنا إلى الفندق».
يواصل عمرو موسى فى مذكراته: «كان الجو باردا جدا خلال زيارتنا لبيروت، وكان كل واحد منا قد أحضر معه بالطو والده وكوفيته؛ فكنا نتندر على ذلك بأن ننادى على بعضنا البعض بأسماء آبائنا عندما كنا نرتدى المعاطف باعتبار أنها خاصة بهم».
ففى القاهرة البعيدة كانت قواميس الأم وجريدة الجد، وفى بيروت خرج الشبان بمعاطف الآباء، يضحكون على هيئتهم وينادون بعضهم بالأسماء المستعارة من البيت. عادوا من الرحلة ومعهم حكاياتها، وبقيت فى «كتابيه» أغنية كميل، والبرد، والملابس التى أحضروها، وقبل ذلك بقى الطربوش الذى لعبوا به، والسبورة التى دخل عليها مع شفيق، ويد ثريا على النيل. هذه أيام عمرو موسى وأشياءه الصغيرة كما رواها هو فى مذكراته: ناس صاحبوه، وأشياء استخدمها، ومواقف استطاع بعد عشرات السنين أن يحكيها، وأن يضحك مرة أخرى كلما عاد إليها.