كيف ستعيد انتخابات التجديد النصفى رسم الخريطة الاقتصادية فى أمريكا ومصر؟
تترقب الأوساط الاقتصادية والسياسية العالمية ما ستسفر عنه انتخابات التجديد النصفى للكونجرس الأمريكى المقررة فى الثالث من نوفمبر ٢٠٢٦. فى حال فوز الحزب الديمقراطى بأغلبية مجلسى النواب والشيوخ، فإن الولايات المتحدة ستشهد حالة من الانقسام البين، حيث يقبع رئيس جمهورى فى البيت الأبيض بينما يسيطر الديمقراطيون على مقاليد التشريع. هذه الظاهرة «الحكم المنقسم» بين الرئاسة (السلطة التنفيذية) والكونجرس (السلطة التشريعية) غير جديدة ومتكررة فى واشنطن. حدثت فى عهد «بيل كلينتون» الديموقراطى حيث كان الكونجرس بغرفتيه فى يد الجمهوريين. وعلى الرغم من ذلك كانت فترة بيل كلينتون الأخيرة (١٩٩٨ -٢٠٠١) الوحيدة فى التاريخ الأمريكى الحديث التى تحقق فيها فائض موازنة وبدأ الدين العام فى الانخفاض وكان سبب ذلك طفرة اقتصادية وتكنولوجية هائلة زادت من حصيلة الضرائب، بالإضافة إلى تسويات سياسية بين الحزبين أدت إلى كبح جماح الإنفاق الحكومى.
أنقسام السلطتين حدث أيضا فى عهد جورج بوش الابن (الجمهورى) فى الفترة من ٢٠٠٧ – ٢٠٠٩ التى سيطر فيها الديمقراطيون على الكونجرس بغرفتية ولكن لتزامن هذه الفترة مع بداية الأزمة المالية العالمية (٢٠٠٨)، اضطر الطرفان للتعاون لتمرير خطط إنقاذ اقتصادى ضخمة. أما فى عهد باراك أوباما (الديمقراطى - (٢٠٠٩ – ٢٠١٧ سيطر الجمهوريون على مجلس النواب (ثم مجلس الشيوخ لاحقاً) وأتسمت هذه الفترة بصدامات حادة حول سقف الدين الحكومى وموازنة الرعاية الصحية ولكن تسلم أوباما السلطة فى ذروة أسوأ أزمة اقتصادية منذ الثلاثينيات (الركود الكبير). أقر الكونغرس حزمة تحفيز مالى ضخمة بتكلفة قاربت ٨٣١ مليار دولار، شملت إنقاذ المؤسسات المالية، وشركات السيارات، وزيادة إعانات البطالة. بل أن ترامب نفسه فى الفترة من ٢٠١٩ - ٢٠٢١ من فترته الأولى سيطر الديمقراطيون على مجلس النواب ورغم الخلافات السياسية العميقة، توافق الطرفان على تمرير حزم تحفيز مالى ضخم جداً استجابة لجائحة كورونا. وهكذا يمكن القول أن المواطن الامريكى يرى فى تقسيم السلطات بين الحزبين نوع من التوازن وتفعيل عملى لمراقبة السلطات لبعضها البعض.
هذه المرة تقسيم السلطات يمكن أن يؤدى إلى تباطؤ فى تمرير التشريعات، وتعطيل لأى تخفيضات ضريبية كبرى جديدة، فى ظل احتفاظ الرئيس بسلطات تنفيذية واسعة لإدارة ملفات التجارة والتعريفات الجمركية. كما أن هذه المرة تقف الولايات المتحدة أمام تحديات مالية وهيكلية جسيمة. فوفقاً لتقديرات مكتب الموازنة فى الكونغرس، من المتوقع أن يبلغ العجز الاتحادى ١.٩ تريليون دولار فى السنة المالية ٢٠٢٦. وفى خضم هذا العبء، يظل التضخم تحدياً مؤرقاً لصانعى السياسة النقدية فلقد استقر التضخم الأساسى عند ٣.٤٪. ويعتبر ذلك المعدل قريب من ضعف المعدل المستهدف (٢٪).
على الصعيد العالمى، تمتد تأثيرات هذا الانقسام السياسى لتشمل الأسواق الناشئة ومنطقة الشرق الأوسط. إن أى تقييد للتوسع المالى الأمريكى قد يؤثر على عوائد السندات وقوة الدولار. وتشير أبحاث صندوق النقد الدولى إلى أن ارتفاع قيمة الدولار بنسبة ١٪ يرتبط بانخفاض الناتج الحقيقى فى الأسواق الناشئة بنحو ٠.٤٤٪ بعد سنة، وذلك نتيجة لتراجع التدفقات الائتمانية وضعف الاستثمار. أما فى الشرق الأوسط، فإن الدول المستوردة للنفط (مثل مصر) ستواجه ضغوطاً مضاعفة؛ إذ يقدر صندوق النقد أن ارتفاع متوسط سعر النفط السنوى بنسبة ١٠٪ يخفض نمو اقتصاد الدول المستوردة للنفط فى المنطقة بنحو ٠.٥ نقطة مئوية ويرفع التضخم بنحو نقطة مئوية فى المتوسط.
أما فى المحروسة فينبغى ألا تبقى قناة السويس والسياحة وتحويلات العاملين هى المصادر الرئيسية الوحيدة للعملة الصعبة فإن التنوع الحقيقى يأتى من زيادة الصادرات، وجذب استثمارات مباشرة طويلة الأجل، وتمكين القطاع الخاص، وتوسيع قاعدة الصناعات وكلما تنوعت مصادر الدولار أصبح الاقتصاد أقل خوفاً من رياح واشنطن المتغيرة.
الخلاصة أن فوز الديمقراطيين قد يمنح مصر فرصة محدودة إذا قاد إلى انضباط مالى أمريكى ودولار مستقر، لكنه قد يتحول إلى عبء إذا أشعل صدامات الموازنة أو أبقى الفائدة مرتفعة. فالانتخابات قد تغيّر اتجاه الريح، أما السفينة الآمنة فهى التى تقوى شراعها قبل العاصفة.
* أستاذ الاقتصاد الفخرى بجامعة ولاية أوهايو وجامعة النيل