لم تبدأ حكاية آية، الطالبة البالغة من العمر 16 عامًا، داخل المنزل الذى انتهت فيه حياتها، وإنما بدأت قبل ذلك بأيام، عندما خرجت من منزل أسرتها فى قرية الشوبك الشرقى التابعة لمركز الصف بمحافظة الجيزة، قبل أن تتغيب عن أسرتها ويعثر عليها لاحقًا فى منطقة العجمى بالإسكندرية.

أبلغت الأسرة عن تغيبها، وقادت التحريات إلى تحديد مكانها وإعادتها، لكن عودتها إلى منزل الأسرة لم تكن نهاية القصة؛ إذ انتهت حياتها بعد ذلك، وسط اتهام شقيقها بقتلها، وفق ما أشارت إليه التحريات الأولية.

وبينما تظل ملابسات الواقعة ودافعها النهائى رهن ما تسفر عنه التحقيقات، تفتح القضية بابًا أوسع على ظاهرة لا تتوقف عند جريمة بعينها: كيف يمكن أن يتحول الخوف على «سمعة الأسرة» إلى غضب، ثم إلى عنف، ثم إلى قتل؟

من الشك إلى العنف.. مقتل «آية» يكشف الوجه الآخر لجرائم «الشرف»

يضع الدكتور وليد هندى، استشارى الصحة النفسية، الجانب النفسى فى قلب تفسير هذا النوع من الجرائم، موضحًا أن بعض مرتكبى الجرائم التى تُصنّف اجتماعيًا باعتبارها جرائم «شرف» قد يعانون من تشوهات فى طريقة التفكير، تجعلهم ينظرون إلى المرأة باعتبارها جزءًا من صورتهم ومكانتهم أمام الآخرين.

وقال إن الرجل فى هذه الحالة قد يشعر بأن فقدان السيطرة على المرأة يمثل انتقاصًا من قيمته الذاتية، فيتحول العنف، من وجهة نظره، إلى وسيلة لاستعادة السيطرة أو المكانة.

من الشك إلى العنف.. مقتل «آية» يكشف الوجه الآخر لجرائم «الشرف»

وأضاف: «هنا لا يصبح الأمر متعلقًا بتصرف قامت به امرأة أو فتاة فقط، وإنما بمنظومة كاملة من الأفكار التى تجعل الرجل يعتقد أن من حقه مراقبة اختياراتها، والتحكم فى ملابسها أو علاقاتها أو قراراتها، بل ومعاقبتها إذا خرجت عن الحدود التى رسمها هو أو الأسرة».

من الشك إلى العنف.. مقتل «آية» يكشف الوجه الآخر لجرائم «الشرف»

وأوضح «هندى» أن الغيرة المرضية والشك قد يمثلان أحد العوامل النفسية فى بعض الحالات، خاصة عندما لا يستند الجانى إلى واقعة مؤكدة، وإنما إلى تفسيرات شخصية أو شائعات أو كلام متداول داخل المحيط الاجتماعى، وفى هذه الحالة، تتحول الشائعة إلى «حقيقة» داخل عقل الجانى، ويبدأ فى بناء رد فعله على تصور قد لا تكون له علاقة بالواقع.

وهنا تكمن خطورة ما يسميه هندى التشوه المعرفى، فالجانى لا يرى الواقعة كما هى، وإنما من خلال منظومة أفكار مسبقة تجعله يفسر تصرفات الضحية باعتبارها تهديدًا له أو لأسرته.

تشير البيانات المنشورة عن الدراسة المنسوبة إلى المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية إلى أن 70٪ من الحالات لم تقع فى حالة تلبس بينما أظهرت تحريات المباحث، وفق ما نُشر عن الدراسة، أن 60٪ من شكوك الجناة فى الضحايا لم تكن فى محلها.

وتكشف هذه الأرقام جانبًا من خطورة الشك فى هذا النوع من الجرائم، إذ قد لا يبدأ الأمر بواقعة ثابتة، وإنما بشائعة أو تفسير شخصى أو سوء ظن، يتحول تدريجيًا إلى قناعة لدى الجانى، ثم إلى مبرر للعنف.

أرقام تكشف علاقة الجانى بالضحية

ولا تتوقف دلالة الأرقام عند الشك، وإنما تمتد إلى طبيعة العلاقة بين الجانى والضحية؛ إذ تكشف البيانات المنشورة عن الدراسة نفسها توزيع مرتكبى جرائم القتل التى أُدرجت تحت مسمى «جرائم الشرف» داخل الأسرة.

وبحسب الأرقام المنشورة، فإن 92٪ من جرائم قتل السيدات التى رصدتها الدراسة أُدرجت تحت ما يسمى جرائم الشرف.

أما عن صلة الجانى بالضحية، فجاءت النسب كالتالى:

70٪من الحالات ارتكبها الأزواج ضد زوجاتهم.

20٪ ارتكبها الأشقاء ضد شقيقاتهم.

7٪ ارتكبها الآباء ضد بناتهم.

3٪ ارتكبها الأبناء ضد أمهاتهم.

وتكتسب نسبة الأشقاء أهمية خاصة عند تناول واقعة آية، باعتبار أن شقيقها متهم بقتلها، إلا أن ذلك لا يعنى أن واقعة آية ثبت أنها جريمة بدافع «الشرف»، وإنما تظل دوافعها محل تحقيق.

وتعيد هذه النسب طرح السؤال نفسه الذى بدأ به التحقيق: هل تبدأ الجريمة فى لحظة القتل، أم تسبقها منظومة من الأفكار والشكوك والضغوط الاجتماعية التى تتراكم داخل الأسرة حتى تصل إلى نقطة الانفجار؟.

لا تقف العوامل النفسية وحدها، بحسب هندى، إذ يمكن أن يتداخل معها الضغط الاجتماعى، فالجانى قد يتعرض لتعليقات من المحيطين به، أو لنظرات أو انتقادات أو نميمة، تجعله يشعر بأن عليه أن «يفعل شيئًا» حتى يتوقف كلام الناس.

ومع تكرار هذه الضغوط، قد يتحول ما بدأ فى صورة حديث عائلى أو اجتماعى إلى حالة من الشحن النفسى، خصوصًا إذا كان الشخص نشأ على الاعتقاد بأن الرجل مسؤول عن فرض السيطرة على النساء داخل أسرته.

وهنا تصبح الأسرة نفسها جزءًا من دائرة الضغط، لا بالضرورة من خلال المشاركة المباشرة فى الجريمة، وإنما من خلال منظومة أفكار تعتبر خروج الفتاة عن بعض القواعد الاجتماعية أمرًا يستوجب العقاب.

وحسب التحليل النفسى الذى يقدمه «هندى»، فإن العنف فى هذه الحالات لا يبدأ بالضرورة لحظة ارتكاب الجريمة، وإنما قد تسبقه مراحل من السيطرة والتهديد والصراخ والعنف اللفظى أو الجسدى والرقابة المستمرة.

الفتاة التى تُسأل باستمرار: أين ذهبت؟ مع من تحدثت؟ ماذا ترتدى؟ ولماذا خرجت؟ قد تكون داخل دائرة من السيطرة الأسرية التى تتجاوز الحماية إلى التحكم.

ومع غياب الحوار والقدرة على إدارة الخلاف، وتراجع القدرة على ضبط الانفعال، يمكن أن تتصاعد المواجهات بصورة خطرة.

وقال هندي: إن التنشئة الاجتماعية القاسية التى تربط الرجولة بالسيطرة قد تلعب دورًا فى تكوين هذه الشخصية، خصوصًا عندما يتعلم الطفل منذ الصغر أن القوة هى الوسيلة الأساسية لفرض الرأى داخل الأسرة.

توضح بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان أن ما يسمى بجرائم «الشرف» يمثل أحد أشكال العنف المرتبط بممارسات اجتماعية ضارة، وتشير تقديرات أممية إلى وقوع نحو 5 آلاف جريمة قتل سنويًا حول العالم مرتبطة بما يسمى «الشرف».

ولا ترتبط هذه الجرائم بسلوك واحد محدد؛ فقد تتعرض فتاة أو امرأة للعنف بسبب علاقة عاطفية ترفضها الأسرة، أو رفض الزواج، أو الطلاق، أو الملابس، أو حتى الاشتباه فى سلوك تعتبره الأسرة مخالفًا لقواعدها.

الأكثر قسوة أن بعض النساء قد يتعرضن للعنف رغم كونهن ضحايا فى الأصل، مثل حالات الاعتداء الجنسى، نتيجة اعتقاد الجانى أو الأسرة أن ما حدث يمثل «عارًا» يجب التخلص منه.

وبذلك تنتقل الضحية من كونها شخصًا يحتاج إلى الحماية إلى شخص يُحمّل مسؤولية «سمعة» الأسرة.

أرقام تكشف حجم الظاهرة

وأشار هندى إلى أرقام لدراسة منسوبة إلى المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية تناولت جرائم القتل الأسرية المرتبطة بما يسمى جرائم الشرف، موضحًا أن الدراسة رصدت نسبًا مختلفة لمرتكبى هذه الجرائم داخل الأسرة، من بينها الأزواج والأشقاء والآباء.

لكن هذه الأرقام، مثلها مثل أى إحصاءات عن الظاهرة، تحتاج إلى الرجوع إلى أصل الدراسة وتاريخها ومنهج جمع بياناتها قبل تقديمها باعتبارها إحصاءات حديثة عن المجتمع المصري.

وتظل أهمية هذه البيانات فى أنها تكشف أن الظاهرة، عندما تقع، لا ترتبط بعلاقة واحدة داخل الأسرة؛ فقد يكون الجانى زوجًا أو أخًا أو أبًا، بينما تظل الفكرة المركزية واحدة: الاعتقاد بأن الرجل يملك حق فرض العقاب على المرأة بدعوى حماية اسم الأسرة.

لماذا لا تكفى محاسبة الجانى وحده؟

السؤال هنا لا يتعلق فقط بمن ضغط على الزناد أو استخدم السكين أو ارتكب فعل القتل، وإنما بكيفية وصول الشخص إلى اللحظة التى أصبح فيها قادرًا على تصور قتل إنسانة باعتباره حلًا لمشكلة.

يضع هندى عدة عوامل متداخلة فى هذه الدائرة، من بينها ضعف ضبط الانفعال، والتنشئة القاسية، والتشوهات المعرفية، والغيرة والشك، والضغط الاجتماعى، والتبرير المجتمعى للعنف.

ولهذا فإن مواجهة الظاهرة لا تتوقف عند العقوبة بعد وقوع الجريمة، وإنما تبدأ قبلها، من خلال تغيير المفاهيم التى تربط الرجولة بالسيطرة، وتربط شرف الأسرة بسلوك النساء وحدهن.

فى الجانب القانونى، توجد المادة 237 من قانون العقوبات المصرى، وهى تتناول حالة محددة تتمثل فى مفاجأة الزوج لزوجته حال تلبسها بالزنا وقتلها فى الحال هى ومن يزنى بها، وتقرر عقوبة الحبس بدلًا من العقوبات المقررة فى مواد أخرى من القانون.

لكن النص لا يعنى أن كل جريمة قتل تُرتكب تحت مسمى «الشرف» تدخل تلقائيًا تحت هذه المادة؛ فالتكييف القانونى لكل واقعة يتوقف على ظروفها وملابساتها وما يثبت أمام جهات التحقيق والمحكمة.

فى قضية آية، لا تزال الإجابة عن السؤال الأهم مرتبطة بما ستكشف عنه التحقيقات: لماذا قُتلت؟.

هل كان هناك خلاف سابق؟ هل كانت هناك ضغوط أسرية؟ هل ارتبط الأمر باعتقاد يتعلق بسلوكها؟ أم أن هناك دافعًا آخر لا علاقة له بما يسمى «جرائم الشرف»؟.

لا يمكن حسم هذه الأسئلة بالتحليل النفسى وحده، ولا يجوز افتراض الدافع قبل أن تكشف عنه التحقيقات والأدلة.

لكن الواقعة، فى كل الأحوال، تعيد طرح سؤال أكبر من تفاصيل قضية واحدة: ماذا يحدث عندما تتحول أفكار السيطرة والشك والضغط الاجتماعى إلى قناعة بأن قتل المرأة يمكن أن يكون وسيلة لحماية «الشرف»؟.

يختصر «هندي» الفكرة بقوله إن ما يسمى «الشرف» لا يمكن أن يكون مبررًا لإهدار حياة إنسان، وإن ربط الرجولة بجسد المرأة وسلوكها يخلق منظومة من الأفكار قد تنتهى، فى أخطر صورها، إلى العنف والقتل.

فحين يصبح «الشرف» مبررًا للجريمة، لا يكون الضحية وحده من يدفع الثمن؛ وإنما تكشف الجريمة أيضًا عن منظومة أفكار سمحت للعنف بأن يبدو، فى عين مرتكبه، وكأنه حل.