حسنًا فعل السيد الرئيس عبد الفتاح السيسى بإعلان المراجعة الشاملة لسوق التطوير العقارى فى مصر، فقد حان الوقت لهذا القطاع الذى يمثل ركيزة أساسية فى الاقتصاد المصرى أن يتخطى مرحلة التجارب ويخطو نحو مراحل من التنظيم والنضج، وقد عزمت فى هذا المقال أن أتخلى قليلًا عن الدبلوماسية وأتحدث أكثر صراحة عن مكامن الأزمة وعن مسببات حدوثها وعن فرص حلولها.

وإن كنت أدعى أننى من أولئك القلة المحظوظين بكونهم تمرسوا بهذا القطاع من كل زواياه كأستاذ للتخطيط العمرانى أولًا، وكمطور فاعل فى السوق المصرية لأكثر من ١٠ سنوات وكرئيس للجنة الإسكان والتنمية العمرانية بمجلس النواب وممثلًا عن هذا القطاع شديد التعقيد فى مصر. ولعلنى وسط كل هذا الزخم الذى حدث منذ أن أعلن السيد الرئيس تدخله فى هذا الملف قد آثرت الصمت لفترة وجيزة استماعًا وإنصاتًا لكل الأصوات التى تحدثت عن هذا الملف– كل من زاويته– فقد استمعت وبحثت وقمت بتحليل آلاف الشكاوى التى وصلتنى من مواطنين لديهم طرح وجيه أن هناك تعاقدات لم تستوف ومواعيد لم توف، واجتمعت بعشرات المطورين الفاعلين فى السوق المصرية، وأعرف بحكم خبرتى وخبرتهم أن العامل المشترك فى التأخيرات ليس واحدًا، وأنه لو كانت هناك تأخيرات عند البعض فهناك تعثرات عند آخرين! وإن كانت قد حدثت فوضى فى بداية النمو فقد حان وقت التصحيح وهذا هو أهم ما يجب مناقشته الآن، أين نقف الآن فى مراحل النضج الطبيعى لقطاع عقارى فى سوق ناشئة كبيرة بحجم مصر.

وإن كان يمكن اختصار عقدين كاملين من النمو المذهل فى التطوير العقارى، فمن الدقة أن يتم تقسيمهما إلى:

١. مرحلة النمو العشوائى والطفرة (العقد الماضى حتى ٢٠٢٠)

اتسمت هذه المرحلة بالنمو السريع وفتح مدن ومجتمعات عمرانية جديدة عملاقة (مثل العاصمة الإدارية الجديدة والتجمع الخامس).

غلب عليها التنافس السعرى والعروض الترويجية وفترات السداد الطويلة جدًّا التى وفرها المطورون كبديل لغياب التمويل العقارى الفعال.

ودخل السوق مئات الشركات العقارية الناشئة دون اشتراطات ملاءة مالية أو فنية صارمة (هنا بداية الأزمة).

اصطدم القطاع بتحرير سعر الصرف الأول عام ٢٠١٦ وهنا اختلف الأسعار بشكل جذرى.

٢. مرحلة التخبط وعدم الوضوح (٢٠٢٠-٢٠٢٣)

* مع بداية كورونا وتوقف النشاط العالمى فى العالم كله، وتأثر القطاع بالأزمات المتتالية لسلاسل الإمداد.

* حدثت موجات أخرى من التعويم أثرت على كل مراحل التسعير.

* بدأ المطورون فى اتخاذ إجراءات التحوط منعًا لتكرار الأزمة مما أثر على سعر العقار بارتفاعات قياسية، تزامن معها ارتفاع سعر الأرض وتغير آليات التسعير.

٣. مرحلة التصحيح والتدخل التشريعى (٢٠٢٢-٢٠٢٤)

هنا ظهرت قدرة المطور الأكثر نضجًا على الصمود والتعافى وتنظيم نفسه وبدأ المطورون فى طرح مراحل جديدة لتعويض الخسائر مع تقدم بطىء فى تنفيذ بعض المشروعات والتعاقدات التى تمت قبل ٢٠١٦ و٢٠٢٢.

بدأت الدولة تقدم ضوابط تصحيحية مثل قانون تنظيم التطوير العقارى وضوابط حماية المستهلك (٢٠٢٢): ألزم الشركات بعدم الإعلان عن مشروعات قبل الحصول على القرار الوزارى.

وضع ضوابط زمنية ومساحية لتنفيذ المشاريع لتقليل مخاطر تعثر الشركات.

٤. مرحلة التنظيم الهيكلى والنضج (عام ٢٠٢٦ الحاضر)

تشهد السوق طفرة تنظيمية– لو أحسن استغلالها– نستطيع أن نجزم بعدها أن السوق ستدخل فى مرحلة النضج والاستقرار، حيث تتحرك الحكومة والبرلمان لتشديد الانضباط لحماية الاقتصاد:

التحرك نحو تأسيس «مجلس العقار المصرى» ككيان عقارى موحد وهيئة لتنظيم السوق وليصبح بمثابة مظلة رسمية تضم المطورين العقاريين لضبط العلاقة بين المطور والمستهلك.

تصنيف المطورين والشركات العقارية بناءً على سابقة أعمالها، وملاءتها المالية، والتزامها بمواعيد التسليم لرفع منسوب الشفافية.

باختصار ودون إخلال، ربما يكون كل ما نمر به– رغم قسوته على جميع الأطراف– هو ملامح الخروج من الفوضى وتغير ثقافة المشترى والمستثمر إذ لم يعد بعد قرار الشراء سريعًا ولا عاطفيًا، إنما نعمل على أن تتوافر فى المستقبل القريب جدًّا لمالك العقار كل البيانات التى يحتاجها لاتخاذ قراره بوعى وفقًا لملاءة المطور وسابقة أعماله وجودة الإدارة بدلًا من الالتفات فقط لوعود زائفة أو تسهيلات غير واقعية.

باختصار ودون إخلال، ربما يخرج من السوق المصرية الشركات العشوائية وغير الجادة ولا يتبقى سوى الكيانات القادرة على الوفاء بالتزاماتها وإدارة المخاطر بوعى.

ولكل ما سبق شرحه أتمنى عزيزى القارئ وبعين منصفة أن ندرك السياق وأن نقرأ كيف تحوّلت عشر سنوات من الصدمات الاقتصادية إلى أزمة تسليم، ولماذا لا يجوز الخلط بين التعثر والتأخير.

وألا يُختصر النقاش فى جملة واحدة: المطورون متأخرون، والعميل مظلوم. هذا الحكم مريح، لكنه غير دقيق، ولا يفسّر شيئًا. فهم ما يحدث فى السوق العقارية المصرية اليوم يحتاج إلى العودة عشر سنوات إلى الوراء، لا إلى النظر فى المشهد كما هو فى لحظته الراهنة فقط.

والأهم من ذلك، يحتاج إلى تفرقة واضحة بين مطوّر متعثّر ومطوّر متأخّر. الفرق بينهما ليس لفظيًا، بل هو الفرق بين شركة لم تكن تملك، من الأساس، القدرة على تنفيذ ما باعته، وشركة تنفّذ وتسلّم لكنها تأخرت عن الجدول الزمنى بسبب ظروف خرجت عن إرادتها. خلط الاثنين فى حكم واحد هو أول خطأ فى قراءة هذه الأزمة.

ولعلنا ندرك أن الدولة، عند تخصيص الأراضى، مُلزمة بمراجعة الملاءة الفنية والمالية للمطور، والتأكد من قدرته على تنفيذ المشروع بالمساحة والحجم المطلوبين، قبل منحه الأرض. هذا هو النظام الذى عملت به وزارة الإسكان وهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة لسنوات طويلة، وحتى الشركات حديثة التأسيس كانت تُقيَّم من خلال الخبرة الفنية المتراكمة لدى مساهميها وإدارتها التنفيذية.

لكن حين تحوّلت هذه المعايير، عند البعض، إلى مجرد قدرة مالية– أن يملك أحدهم المال فيصبح مطوّرًا عقاريًا بصرف النظر عن قدرته الفنية على التنفيذ- بدأت الأزمة تتشكّل. هذه هى النقطة الأولى، وهى الأكثر إغفالًا فى أى نقاش عام حول الموضوع.

النقطة الثانية أن السوق العقارية- كما سبق وذكرنا بالتفصيل فى صدر هذا المقال– قد مرت على مدار ١٠ سنوات بواحدة من أصعب المراحل الاقتصادية فى تاريخها الحديث. التعويم فى ٢٠١٦ الذى ترك آثارًا استوعبها المطورون تدريجيًا حتى اقتربوا من تجاوزها فى ٢٠١٩، مع أعباء إضافية من تحرير أسعار الطاقة والوقود وضغوط ضريبية، ترجمت إلى خسائر بمليارات الجنيهات لدى أغلب الشركات العاملة فى القطاع.

ثم جاء عام ٢٠٢٠: جائحة كورونا، وأزمة سلاسل الإمداد والتوريد عالميًا. وبين ٢٠٢١ و٢٠٢٤، مرت مصر بسلسلة متتالية من التعويمات، تحرّك خلالها سعر الدولار من ١٦ جنيهًا إلى ٢٤، ثم ٣٢، حتى استقر عند نحو ٥٠ جنيهًا. أربع سنوات متلاحقة من عدم استقرار التكلفة، فرضت على المطورين واقعًا واحدًا: الاستمرار فى البيع لإبقاء الدورة الإنتاجية تعمل، وتوفير فرص العمل، وضخ العملة فى السوق، بينما تتحمل الشركة نفسها فروق التكلفة الناتجة عن التضخم وتراجع الجنيه.

ومن يستوعب هذه الفروق؟ المطوّر وحده. نتحدث هنا عن مليارات الجنيهات فى مشروعات ضخمة، كل شركة بحسب حجمها. والنتيجة المنطقية كانت واحدة من اثنتين: إما تعثّرًا حقيقيًّا، لدى شركات لم تكن تملك الملاءة الفنية أو المالية الكافية من الأساس، وهذا ملف يحتاج تدخلًا واضحًا من الدولة، سواء عبر مسار قضائى أو عبر حلول الدولة محل المطور مع العميل. أو تأخّرًا، حين لا تستطيع القدرة التمويلية المتاحة من البنوك استيعاب فروق التكلفة كاملة، فتستمر دورة البيع: جزء من العائد يموّل التنفيذ الجديد، وجزء يعوّض الخسائر السابقة.

بهذا المنطق، لا يمكن اعتبار العميل وحده هو المتضرر، ولا يمكن تحميل المطوّر وحده المسؤولية الكاملة. الدولة كانت صاحبة القرارات السيادية التى شكّلت هذا المسار، وأى تقييم عادل للموقف الحالى يجب أن يأخذ ذلك فى الاعتبار.

السوق تحتاج إلى تصنيف، لا إلى حكم جماعى. مطوّر تأخر سنة أو سنتين، بينما مشروعاته تشهد تنفيذًا فعليًا وحركة مستمرة، هذا تأخير يمكن تفهّمه فى ضوء ما مر به القطاع. أما مطوّر توقف تمامًا عن العمل، أو لم يكن قادرًا على التنفيذ من الأساس، فهذا ملف مختلف تمامًا، ويستحق معالجة مختلفة.

ومنذ ٢٠٢٤ وحتى الآن، تمر السوق بمرحلة تعافٍ حقيقية استفاد منها أغلب المطورين الملتزمين، ووظّفوها فى استيعاب التأخرات المتراكمة، عبر ضخ عوائد المبيعات الجديدة والتمويلات المتاحة فى تسريع التنفيذ. الشركات الكبرى التى تملك الملاءة الفنية والمالية قادرة، خلال العام أو العامين القادمين، على استيعاب هذه التأخرات بالكامل، بشرط استمرار الاستقرار الاقتصادى الحالى.

هناك عامل آخر غالبًا ما يُغفل: مناطق بأكملها توقف فيها العمل بقرار من الدولة نفسها. فى الساحل الشمالى، توقفت الأعمال والتراخيص لما يقرب من عامين. وفى العين السخنة، امتد التوقف لعام كامل. هذه فترات لا يتحمل فيها المطوّر أى مسؤولية عن التأخير الناتج عنها، ولا يمكن تجاهلها عند محاسبته على الجدول الزمنى.

الخلاصة أن هذا الملف يستحق دراسة موضوعية، مبنية على ظروف كل مشروع على حدة، لا على انطباع عام. والعام أو العامان القادمان سيفرزان بوضوح المطورين القادرين على استيعاب التأخرات المتراكمة ممن ليسوا كذلك.

فالشركات الجادة نستهدف تستطيع إنهاء كل التأخرات القائمة بحلول نهاية العام القادم.

هذا الحديث مبنى على وقائع ثابتة وملموسة على الأرض، لا على تبرير. وما يحتاجه القطاع الآن هو نظرة متوازنة تجمع بين مسؤولية المطوّر والعميل والدولة معًا، وتنظيم أوضح للسوق يمنع تكرار الفجوة التى بدأت منها هذه الأزمة: منح صفة «مطوّر عقارى» لمن يملك المال فقط، دون أن يملك القدرة على التنفيذ.

* رئيس لجنة الإسكان بمجلس النواب وأستاذ التخطيط العمرانى بجامعة القاهرة